خمس سنوات من تعزيز العمل اللائق في العراق: رحلة من الصمود والشراكة والتقدم بقلم: مها قطاع، المنسقة القطرية لمنظمة العمل الدولية في العراق

قبل خمس سنوات، وصلت إلى العراق لإعادة تواجد منظمة العمل الدولية، وأنا أشعر بإحساس عميق بالمسؤولية، مع إدراك أن الطريق أمامنا لن يكون سهلاً. لا زلت أذكر أول 100 يوم لي بوضوح—حالة من عدم اليقين، القيود الأمنية، والتحدي الكبير المتمثل في إنشاء مكتب جديد وسط توقعات عالية. ومنذ تلك الأيام الأولى وحتى اليوم، كانت رحلتنا مليئة بالمرونة، التعلم، وتحقيق الأثر.

٧ مارس ٢٠٢٥

المحتوى متوفر أيضاً بـ: English
© ILO
© ILO

قبل خمس سنوات، وصلت إلى العراق لإعادة تواجد منظمة العمل الدولية، وأنا أشعر بإحساس عميق بالمسؤولية، مع إدراك أن الطريق أمامنا لن يكون سهلاً. لا زلت أذكر أول 100 يوم لي بوضوح—حالة من عدم اليقين، القيود الأمنية، والتحدي الكبير المتمثل في إنشاء مكتب جديد وسط توقعات عالية. ومنذ تلك الأيام الأولى وحتى اليوم، كانت رحلتنا مليئة بالمرونة، التعلم، وتحقيق الأثر.

عندما وصلت إلى العراق، كان سوق العمل عند مفترق طرق. فقد تركت سنوات الصراع آثارًا عميقة، حيث كانت معدلات البطالة بين الشباب مرتفعة، والحماية الاجتماعية محدودة، وقطاع واسع من العمال، لا سيما في الاقتصاد غير الرسمي، يواجه أوضاعًا هشة. كانت الحاجة ملحة إلى سياسات تنقل العراق من الاستجابة للأزمات إلى التنمية المستدامة. وكان التحدي الأكبر الذي واجهناه هو: كيف نعيد بناء سوق العمل بطريقة تعزز العدالة الاجتماعية والعمل اللائق والكرامة للجميع؟

اليوم، وأنا أتأمل في السنوات الخمس الماضية من تعزيز العمل اللائق في العراق، لا أرى فقط التحديات التي واجهتنا، بل أرى أيضًا التقدم الملموس والإنجازات التي تحققت بفضل التزام الحكومة العراقية، والشركاء الاجتماعيين، وصمود الشعب العراقي.

تأسيس أول مكتب لمنظمة العمل الدولية في العراق: بناء الأساس

أحد إنجازاتنا الأولى في عام 2020 كان إنشاء أول مكتب تنسيق لمنظمة العمل الدولية في بغداد. لم يكن المكتب مجرد مساحة مادية، بل كان رمزًا لالتزامنا طويل الأمد تجاه القوى العاملة في العراق. لقد أتاح لنا فرصة العمل عن كثب مع المؤسسات الحكومية وأصحاب العمل والعمال لمعالجة التحديات الأكثر إلحاحًا في سوق العمل.

كان من بين الخطوات المهمة إطلاق أول برنامج وطني للعمل اللائق في العراق 2019-2024، وهو خارطة طريق استراتيجية تركز على خلق فرص العمل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وترسيخ الحقوق في العمل، وتعزيز الحوار الاجتماعي. وقد كان هذا البرنامج بمثابة الإطار الذي وجه عمل منظمة العمل الدولية في العراق منذ ذلك الحين.

تحقيق التغيير في سوق العمل العراقي

أحد الإنجازات التي نفخر بها هو إقرار قانون الضمان الاجتماعي والتقاعد رقم 18 لعام 2023، وهو إصلاح تاريخي وسّع نطاق التغطية ليشمل العمال في القطاع غير الرسمي، مع تعزيز حماية القوى العاملة في العراق. كان هذا ثمرة جهود طويلة من الحوار والدعم الفني والدعوة المستمرة التي قدمتها الحكومة العراقية وممثلو العمال وأصحاب العمل، بدعم من منظمة العمل الدولية. واليوم، أصبح لدى العمال إمكانية وصول أوسع إلى الحماية الاجتماعية، مما يضمن عدم ترك أي شخص خلف الركب.

ولتفعيل القانون الجديد، أطلقنا حملة توعية وطنية لتثقيف العمال وأصحاب العمل حول حقوقهم ومسؤولياتهم، مما جعل الحماية الاجتماعية حقيقة ملموسة وليست مجرد نص قانوني.

كما أن الاستثمار في المهارات وبرامج التشغيل كان أحد أولوياتنا الرئيسية، لا سيما مع ارتفاع معدلات البطالة. لقد عملنا عن كثب مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ووزارة التخطيط، ووزارة الشباب، والمجلس الأعلى للشباب، وأصحاب المصلحة الآخرين، لإطلاق مبادرات تشمل: التدريب على المهارات الخضراء و تعزيز ريادة الأعمال و توسيع فرص الوصول إلى التمويل للمشاريع الصغيرة و برامج الأشغال العامة كثيفة العمالة، التي ساهمت في خلق آلاف فرص العمل المؤقتة وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية.

وأنا فخورة بأن أقول إن هذه الجهود ساهمت في خفض معدل البطالة في العراق من 16.5% في عام 2021 إلى 13.5% في عام 2024.

وكان لعملنا أثر مباشر على الفئات الأكثر ضعفًا، حيث ركزنا على خلق فرص عمل للنازحين داخليًا، واللاجئين السوريين، والمجتمعات المضيفة. بالنسبة لي، كانت أقوى اللحظات هي زيارة هذه المشاريع ورؤية أثرها المباشر: امرأة شابة تبدأ مشروعها الخاص، لاجئة تحصل على وظيفة مستقرة، وأب يجد الكرامة من خلال العمل بعد سنوات من النزوح.

بناء مؤسسات قوية من أجل استدامة التغيير

منذ البداية، كنا ندرك أن تحقيق تغيير مستدام يتطلب بناء مؤسسات قوية. ولهذا السبب، عملنا مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والنقابات العمالية، ومنظمات أصحاب العمل لتعزيز أنظمة تفتيش العمل ووضع معايير الصحة والسلامة المهنية وتطوير آليات الحوار الاجتماعي

ومن خلال تدريب مفتشي العمل والشركاء الاجتماعيين، ساعدنا العراق على الاقتراب من معايير العمل الدولية وضمان أن العمل اللائق يصبح واقعًا يوميًا لكثير من العمال في البلاد.

من مئات الآلاف إلى 90 مليون دولار: توسيع نطاق الأثر

عندما بدأنا العمل في العراق، كانت ميزانيتنا محدودة، بالكاد تكفي لتغطية النفقات التشغيلية والمبادرات الصغيرة. لكننا تمكنا، من خلال شراكات استراتيجية وسياسات مستندة إلى الأدلة، من كسب ثقة الجهات المانحة وشركاء التنمية. واليوم، نجحنا في حشد أكثر من 90 مليون دولار لدعم برامج التشغيل، والحماية الاجتماعية، وإدارة سوق العمل على نطاق واسع في جميع أنحاء العراق. ومع نمو برامجنا، كان علينا تطوير هيكل تشغيلي أكثر كفاءة، لذا أنشأنا وحدة دعم العمليات (OSU)، وهي هيكل مخصص لضمان التنفيذ السلس للمشاريع، مما عزز قدرتنا على تحقيق أثر واسع ومستدام.

الدروس المستفادة والطريق إلى الأمام

خلال هذه السنوات الخمس، تعلمت دروسًا عميقة عن الصمود، قوة الشراكات، وقدرة الناس على إعادة البناء حتى في أصعب الظروف. وبينما نتطلع إلى المستقبل، لا يزال أمامنا الكثير من العمل، فمعدلات بطالة الشباب لا تزال تحديًا، ومشاركة المرأة في القوى العاملة منخفضة، والقطاع غير الرسمي آخذ في التوسع. ومع ذلك، ما زلت متفائلة، لأننا رأينا ما يمكن تحقيقه عندما تتضافر السياسات الصحيحة مع الشراكات الفعالة والإرادة السياسية.

مها قطاع، المنسقة القطرية لمنظمة العمل الدولية في العراق

انعكاس شخصي

a woman giving a speech with ILO and Iraqi fag in the background
© ILO
© ILO
مها قطاع، المنسقة القطرية لمنظمة العمل الدولية في العراق

عندما أتذكر اجتماعاتي الأولى في بغداد، حيث قيل لي إن العمل هنا سيكون تحديًا هائلًا، لا يسعني إلا أن أبتسم. لأنه، نعم، كان الأمر صعبًا، لكنه كان أيضًا مجزيًا إلى أبعد الحدود.

لقد حظيت بشرف العمل مع مسؤولين حكوميين متفانين، ونقابيين، وممثلي أصحاب العمل، وقادة أعمال، ومدافعين عن المجتمع. كان شغفهم وتصميمهم على تحسين سوق العمل هو القوة الدافعة وراء كل إنجاز حققناه.

لكن قبل كل شيء، أنا ممتنة لصمود العمال العراقيين—الرجال والنساء الذين، رغم الصعوبات، ينهضون كل يوم لبناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولبلدهم.

مها قطاع، المنسقة القطرية لمنظمة العمل الدولية في العراق

وأخيرًا، لا بد من الاعتراف بأن أي تقدم تحقق في العراق خلال السنوات الخمس الماضية لم يكن ليتم لولا تفاني فريق منظمة العمل الدولية وخبرته ومرونته.

ختامًا…

اليوم، ونحن نخطو إلى المرحلة التالية من عملنا في العراق، أفعل ذلك بطاقة متجددة وشعور عميق بالهدف. لأنني أعلم أنه معًا، يمكننا مواصلة تحويل العمل اللائق إلى واقع للجميع.