تبادل رؤى وخبرات منظمة العمل الدولية: نحو تعزيز التشغيل اللائق لبرامج الأشغال العامة في العراق
ميتو تسوكاموتو رئيسة فرع التشغيل والاستثمار لمنظمة العمل الدولية، في كلمتها لنقل الدروس والخبرات ومجالات التركيز الاستراتيجية والتحديات في تطوير برامج الأشغال العامة المبتكرة بعد حضور ورشة عمل حول تعزيز العمل اللائق في برامج الأشغال العامة في العراق.
١٩ سبتمبر ٢٠٢٤
اربيل، العراق (اخبار م.ع.د)- يواجه العراق اليوم تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة نتيجة سنوات طويلة من الصراعات والعقبات الاقتصادية. البطالة المنتشرة، واحتياجات البنية التحتية الملحة، والتفاوت الاجتماعي تجعل من الضروري البحث عن حلول مبتكرة وفعالة لتجاوز هذه العقبات. في هذا السياق، يأتي برنامج الأشغال العامة الوطني كإحدى المبادرات الهامة التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في توفير فرص العمل اللائق للفئات الأكثر ضعفاً مثل النساء والشباب والنازحين، بالتوازي مع تحسين البنية التحتية في البلاد.
أن برامج الأشغال العامة قد استخدم على مستوى العالم لتحفيز النمو الاقتصادي وإعادة الإعمار، ليس فقط من خلال خلق فرص عمل فورية، ولكن أيضًا من خلال الاستثمار في تحسين وتطوير الخدمات الأساسية وتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية تكميلية أخرى.
نظمت منظمة العمل الدولية ووزارة التخطيط ورشة عمل استشارية مشتركة في أربيل في أيلول 2024، جمعت أصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك الحكومة العراقية ومنظمات المجتمع المدني وخبراء التنمية، لمناقشة كيفية تصميم وتنفيذ برنامج وطني للتشغيل العام. برامج التشغيل العام هي برامج ممولة من الدولة (أو الجهات المانحة) والغرض الأساسي منها هو خلق فرص عمل تساهم في الصالح العام، الا أنها خارج الخدمة العامة العادية وتكمل آليات التسليم الحالية بدلاً من إزاحتها. هدفت الورشة إلى تقديم ومناقشة والسعي إلى توافق الآراء بين أصحاب المصلحة الوطنيين بشأن عملية خارطة الطريق من خلال مراجعة الممارسات والخبرات المحلية والإقليمية والدولية الناجحة وتقديم توصيات واضحة لإنشاء وتشغيل برنامج وطني للتشغيل العام يلبي مصالح الأمة العراقية ويعزز مبادئ العمل اللائق.
لقد شهدنا تنفيذ برامج مماثلة، باستخدام أموال التنمية الاجتماعية في اليمن ومصر، وبرامج الأشغال العامة الإقليمية في الأردن وتركيا وسوريا، وصيانة الطرق المجتمعية في المغرب، وبرنامج الاستثمار المكثف للعمالة التابع لمنظمة العمل الدولية والذي يدعم اللامركزية في وظائف البنية الأساسية في تونس. ورغم أن كل هذه البرامج لم يتم تمويلها بالكامل على المستوى الوطني بعد، فإن هدفها هو استخدام الاستثمارات العامة لخلق فرص عمل محلية وخلق فرص العمل اللازمة للفئات الضعيفة التي تواجه صعوبات في الوصول إلى العمل المدفوع الأجر من خلال إشراكها في توفير أصول البنية الأساسية العامة والخدمات الأساسية التي تشتد الحاجة إليها. وبصفتنا منظمة العمل الدولية، فإننا نعزز أهداف التشغيل الشامل والعمل اللائق.
الدروس والخبرات الدولية السابقة
خلال الورشة، تمت مناقشة الاعتبارات المتعلقة بتصميم البرامج والأمثلة الناجحة من بلدان أخرى، والتي أظهرت كيف يمكن لهذه المبادرات أن تجلب فوائد متعددة. وشملت هذه البرامج الوطنية للتشغيل العام مثل مخطط ضمان التشغيل الريفي الوطني للمهاتما غاندي في الهند، وبرنامج الأشغال العامة الموسع في جنوب أفريقيا، والصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، كما سلطت الضوء على نجاحات برنامج الاستثمار المكثف للعمالة في دهوك بالعراق والذي ركز على نطاق واسع على تطوير البنية الأساسية والأعمال الخضراء، وتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل اللائق. تقدم هذه الأمثلة دروسًا قيمة حول كيفية تمكن العراق من تبني استراتيجيات مماثلة لمعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها.
لقد أثبتت تجربة منظمة العمل الدولية في دعم تصميم وتنفيذ برامج التشغيل العام المماثلة ثلاثة جوانب رئيسية بما في ذلك: التصميم الدقيق، ورصد الأداء والتعديلات المستمرة؛ وضمان وضوح الأهداف وواقعيتها؛ وضمان أن تكون البرامج شاملة ومستندة إلى الأجر مناسب.
ومن بين الدروس الرئيسية المستفادة من التجارب الدولية أهمية تضمين مبادئ العمل اللائق والاستهداف الفعال للنساء والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة في مثل هذه البرامج. إن ضمان الأجور العادلة والمساواة بين الرجال والنساء، وظروف العمل الآمنة، والحق في الحماية الاجتماعية لا يعود بالنفع على العمال فحسب، بل يساهم أيضاً في نجاح هذه البرامج واستدامتها على المدى الطويل. وأكد المشاركون في الورشة على أن برنامج التشغيل العام الوطني في العراق ينبغي أن يدمج هذه المعايير منذ البداية لتعظيم تأثيره.
إن التعلم من الممارسات العالمية والتصميم الفعال لبرامج التشغيل العام الوطنية الأخرى القائمة على مر السنين وضمان منح أولئك القادرين على العمل والراغبين في العمل الفرصة المتساوية للعمل كجزء من دورة الحياة، هي رؤى قيمة يمكن للعراق استخدامها لتصميم ومراقبة استراتيجياته الوطنية.
التركيز على العمل اللائق وتنمية البنية الأساسية
في العراق، يمكن لبرنامج التشغيل العام الوطني أن يحفز خلق فرص العمل، وتوفير الإغاثة الفورية لأولئك الأكثر تضرراً من البطالة أو نقص التشغيل. وفي الوقت نفسه، من شأنه أن يساعد في إعادة بناء البنية الأساسية الحيوية، من الطرق والمدارس إلى أنظمة المياه، والتي تشكل أهمية حاسمة لتنمية البلاد، ودعم الأعمال الخضراء لمعالجة تغير المناخ والمساهمة في استعادة التراث الثقافي. كما يمكن لبرنامج التشغيل العام الوطني أن يزيد من الدعم لمجموعة واسعة من خدمات الرعاية للمجتمع المحلي التي توفر فرصاً متساوية للرجال والنساء. يتمتع البرنامج بإمكانية المساهمة في الاستقرار الإقليمي، وخاصة في المناطق المتضررة من الصراع، من خلال تعزيز خلق فرص العمل واستعادة النمو الاقتصادي المحلي، والمساهمة في التماسك الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه النتائج يتطلب استراتيجية مصممة بعناية. ومن العوامل الحاسمة ضمان استهداف البرنامج للمستفيدين المناسبين، بما في ذلك الفقراء والنساء والشباب والنازحين، الذين غالباً ما يتم استبعادهم من سوق العمل الرسمية. ومن خلال التركيز على هذه الفئات الضعيفة، فإن برنامج الأشغال العامة الوطني في العراق من شأنه أن يساهم بشكل مباشر في الحد من الفقر والحماية الاجتماعية وتطوير سوق عمل أكثر شمولاً.
التوصيات الرئيسية للمضي قدمًا
حدد المشاركون في الورشة عدة توصيات رئيسية لضمان التنفيذ الناجح لبرنامج التشغيل العام الوطني في العراق، وكانت أبرز هذه التوصيات أن تستثمر الحكومة، إلى جانب منظمة العمل الدولية وشركاء التنمية الآخرين، في بناء قدرات المؤسسات المحلية لإدارة وتنفيذ برامج التشغيل العام بشكل فعال. ويشمل ذلك تدريب العمال والمشرفين، فضلاً عن ضمان توافر الخبرة الفنية اللازمة.
كما يجب أن يتماشى البرنامج الوطني مع أهداف التنمية الوطنية الأوسع في العراق، وخاصة في مجالات مثل الحد من الفقر، وتطوير البنية الأساسية، والاستقرار الإقليمي. ومن شأن هذا التوافق أن يساعد في ضمان مساهمة مشاريع الأشغال العامة في التنمية المستدامة طويلة الأجل. وهناك ثلاث فرص رئيسية يمكن أن تضمن أن يحدث برنامج التشغيل العام الوطني في العراق تأثيراً ويترك إرثاً، مما يساهم في بعض الأولويات الأخرى المذكورة في خطة التنمية الوطنية العراقية. تكمن الفرصة الأولى في تطوير البنية الأساسية وإمكانية مساهمة مشاريع التشغيل العام في بناء البنية الأساسية، واستعادتها وإعادة تأهيلها وصيانتها. وتتمثل الفرصة الثانية في استعادة البنية الأساسية الطبيعية - حيث توفر النظم البيئية في العراق خدمات بالغة الأهمية مثل معالجة المياه وتخزينها وتكوين التربة والظل ومكافحة تآكل التبريد والعديد من الخدمات الأخرى. وتتمثل الفرصة الثالثة في إمكانية توسيع نطاق تقديم الخدمات لتشمل "العمل المفيد" الذي تعطيه المجتمعات المحلية الأولوية. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي للبرنامج أن يتناول العديد من المبادئ الأساسية بما في ذلك إنشاء آلية لإعطاء الأولوية للمشاركة في المشاريع للاستجابة لما يُنظر إليه على أنه الاحتياجات المحلية الأكثر إلحاحًا؛ ودعم تمكين النوع الاجتماعي وتشغيل الشباب: ضمان الإدماج الاجتماعي في مكان العمل للأشخاص ذوي الإعاقة؛ وتعزيز التركيز على التنمية من خلال عدم تصميم برنامج التوظيف العام كبرنامج استجابة للأزمات مع مكاسب قصيرة الأجل؛ وزيادة تماسك السياسات مع استراتيجيات التوظيف والحماية الاجتماعية والقطاعات والتنمية الرئيسية الأخرى والموارد المخصصة. وهذا أمر بالغ الأهمية لتعزيز التماسك الاجتماعي وزيادة الدعم في مجموعة واسعة من خدمات الرعاية، وفي خدمات المجتمع المحلي لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم المساواة في العراق بعد الصراع.
ومع ذلك، يُنصَح أيضًا بالحذر من أنه على الرغم من أن برامج التوظيف العام يمكن أن تحقق أهدافًا متعددة في وقت واحد، فإن تحقيقها جميعًا ليس أمرًا مفروغًا منه، ويمكننا بسهولة أن نثقل كاهلها بالعديد من الأهداف، مما يتسبب في فقدان البرامج للتركيز والقدرة على الوفاء بوعدها. ومن هنا تأتي الحاجة إلى تحقيق التوازن بين المفاضلات والأهداف، والتي يتعين أن يتم وزنها بعناية ضد بعضها البعض.
من خلال الالتزام بهذه التوصيات، يمكن لبرنامج التشغيل العام الوطني في العراق أن يصبح أداة رئيسية في معالجة البطالة وتحقيق التنمية المستدامة.
ومع انطلاق العراق في رحلة التعافي بعد الصراع، تقدم برامج التشغيل العام الوطني فرصة واعدة لمعالجة التحديات المزدوجة المتمثلة في البطالة وعجز البنية الأساسية. ومن خلال الاستفادة من الخبرات الدولية، يمكن للعراق تصميم برنامج لا يخلق فرص عمل شاملة فحسب، بل يحسن أيضًا جودة البنية الأساسية العامة ويساهم في الاستقرار الاجتماعي.
ميتو تسوكاموتو
رئيسة فرع التشغيل والاستثمار لمنظمة العمل الدولية