لم نعد مجرد مقدمات رعاية، بل أصبحنا مربيات ومرشدات
تروي آلاء الشمالي، مقدمة خدمات رعاية الأطفال في دور الحضانة الأردنية، كيف زودها تدريب منظمة العمل الدولية، من خلال مشروع المساواة في العمل الممول من حكومة النرويج، بمهارات جديدة وغيّر نهجها في رعاية الأطفال.
١٨ يونيو ٢٠٢٥
عمّان، الأردن (أخبار منظمة العمل الدولية)- أنا آلاء الشمالي، أعمل في حضانة وزارة العمل الأردنية كمربية منذ 14 عامًا. عندما بدأت العمل، كانت أولويتي أن أجد وظيفة توفر لي دخلاً ثابتًا وروتينًا يوميًا. لم أكن أعلم في ذلك الوقت أن هذه الوظيفة لن تغير حياتي فقط، بل ستؤثر أيضًا في حياة العديد من الأطفال الذين كنت محظوظة بالعناية بهم.
في البداية، كان دوري واضحًا وبسيطًا – أُطعم الأطفال، أتأكد من أنهم يأخذون قسطًا كافيًا من الراحة، ثم أسلمهم لذويهم وهم بصحة وسلامة. كانت علاقتي مع الأطفال لطيفة لكنها تقليدية، ومرَّت السنوات على نفس الوتيرة المعتادة. رغم أن العمل كان جيدًا، إلا أنني بدأت أشعر بأن هناك شيئًا مفقودًا، ليس فقط بالنسبة لي، ولكن بالنسبة للأطفال أيضًا. كانت هناك لحظات من الملل، أيام تمر دون أنشطة تشغل عقول الأطفال الصغيرة، وأنا أيضًا بدأت أشعر بنوع من الرتابة في عملي. كنا نعيش أيامًا متكررة بدون هدف واضح. ولكن بعد ذلك، تغير كل شيء.
قدمت لنا منظمة العمل الدولية بالتعاون مع مؤسسة صداقة (الشريك المنفذ لمنظمة العمل الدولية في برنامج المساواة في العمل) فرصة رائعة، تدريب متخصص لمقدمات الرعاية مثلنا. في البداية، لم أكن متأكدة مما أتوقعه – ربما سيكون مجرد دورة تدريبية أخرى – ولكن، كانت هذه التجربة أكثر من ذلك بكثير. فتحت عيني على عمق الدور الذي ألعبه في حياة هؤلاء الأطفال. أدركت أنني لم أكن مجرد شخص يضمن سلامتهم أو يسلمهم لآبائهم في نهاية اليوم، بل كنت أضع الأساس لمستقبلهم.
خلال هذه الدورات التدريبية، تعلمت أن الطفولة المبكرة هي أهم مرحلة في حياة الإنسان. هؤلاء الأطفال الذين قضوا يومهم معنا لم يكونوا مجرد عابرين، بل كانوا يمتصون كل شيء من حولهم، يتعلمون الثقة، والاعتماد على النفس، وكيفية التفاعل مع العالم. بدأت أرى وظيفتي بمنظور جديد، لم أكن فقط أُغذي أجسادهم، بل كنت أُساعد في تشكيل شخصياتهم وثقتهم بأنفسهم. أدركت أن لدي القدرة على أن أكون مصدر إلهام لهم، وأن أساعدهم في أن يؤمنوا بأنفسهم ويستعدوا لمواجهة العالم.
قدمت لنا منظمة العمل الدولية ومؤسسة صداقة أيضا الأدوات التي حولت الحضانة إلى مكان مليء بالنمو والإبداع والاكتشاف المستمر ليس فقط من خلال ترميم المكان ليصبح اكثر اعتمادا على الإضاءة الطبيعية من خلال النوافذ الكبيره والابواب الزجاجية وتعزيز التهوية الطبيعية وتصميم مساحات واسعة لتسهيل حركة الاطفال مع الأخذ بعين الاعتبار الأطفال من ذوي الإعاقة الحركية. ولكن أيضا من خلال وضعنا جدولاً مليئًا بالأنشطة التي تشغل كل طفل، ألعاب تعليمية، فنون، وتمارين تشجع على التعاون والاستقلالية في نفس الوقت. فجأة، لم يعد وجود الأطفال مجرد قضاء للوقت، بل كانوا يزدهرون، يضحكون، يتعلمون، وينمون. كان كل يوم مليئًا بالفرص الجديدة لهم لاستكشاف العالم بطريقتهم الخاصة، وكانت سعادتهم معدية.
لم يكن التدريب فقط لتقديم الأنشطة، بل تعلمنا أيضًا كيفية اكتشاف علامات التأخر في النمو أو المشكلات الصحية مثل التوحد أو الإعاقات الحسية. تعلمنا الإسعافات الأولية، وكيفية التعامل مع الحالات الطارئة بكل هدوء وثقة. أصبح بإمكاني أن أرى كل طفل كفرد فريد، له احتياجاته ومواهبه وتحدياته الخاصة، وكنت مُجهزة بالمهارات اللازمة لدعمه بطرق لم أكن أتصورها.
من أكثر اللحظات المؤثرة بالنسبة لي، هي عندما بدأت ألاحظ التغييرات الصغيرة في الأطفال. طفل كان خجولًا ومنطويًا بدأ يشارك أكثر في الأنشطة الجماعية، وهناك بريق في عينيه لم يكن موجودًا من قبل. طفل آخر كان يعاني من صعوبات في الكلام بدأ يعبر عن نفسه بحرية أكبر من خلال الرسم، ورأيت كيف تنمو ثقته بنفسه يومًا بعد يوم. لم تكن هذه مجرد انتصارات صغيرة، بل كانت تحولات عميقة كان لي الشرف أن أكون جزءًا منها.
ولم يكن الأطفال هم الوحيدون الذين تغيروا، بل أولياء الأمور أيضًا. عندما بدأوا يلاحظون الفرق في أطفالهم – كم كانوا أكثر سعادة وانخراطًا – تعمقت الثقة بيننا. لم يعودوا يرون الحضانة كمجرد مكان يتركون فيه أطفالهم أثناء العمل، بل كمكان يُنمى فيه أطفالهم ويُدعمون بصدق. كانوا يقولون لي كيف أصبح أطفالهم يحبون الحضور إلى الحضانة، وكيف كانوا يتحدثون عن أنشطتهم في المنزل، وكيف اكتسبوا ثقة لم تكن لديهم من قبل. ابتساماتهم، شكرهم، وثقتهم المتزايدة كانت تملأ قلبي فخرًا.
اليوم، حضانتنا أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى. هناك قائمة انتظار، والمزيد من العاملين والعاملات في الوزارة يرغبون في تسجيل أطفالهن بالحضانة. هذا لم يحدث صدفة، بل بسبب التدريب الذي تلقيناه حول نهجنا في رعاية الأطفال. لم نعد مجرد مقدمات رعاية، بل أصبحنا مربيات، ومرشدات في الوقت نفسه.
عندما أنظر إلى الماضي الآن، أدرك أن هذه الوظيفة التي بدأت بها كمصدر للدخل أصبحت ندائي الحقيقي. أشعر بالفخر بالعمل الذي أقوم به، وفخورة بأنني جزء من حياة هؤلاء الأطفال، أساعد في وضع الأساس لمستقبلهم. كل ابتسامة، كل إنجاز، وكل كلمة شكر من والد أو والدة تذكرني بأن ما نفعله هنا له قيمة عظيمة.
محتوى ذات صلة
مشروع
المساواة في العمل: نحو قوى عاملة آمنة وشاملة في الأردن
الموقع الإلكتروني
الأردن
المشاريع ذات الصلة
مشروع
المساواة في العمل: نحو قوى عاملة آمنة وشاملة في الأردن