إعادة تأهيل الأحلام: أصوات الأشخاص العاملين ضمن مشروع إعادة تأهيل المدارس في حلب

في قلب مدينة حلب، وسط الأنقاض التي خلفها الزلزال، ظهرت بارقة أمل من خلال مشروع منظمة العمل الدولية لإعادة تأهيل وإحياء ثلاث مدارس بهدف إعادة إشعال الأحلام المفقودة على طول الطريق.

مقالة | ٢٤ نوفمبر, ٢٠٢٣
محمد الأحمد و ابراهيم عفارة طالبان جامعيان وأصدقاء منذ الطفولة، تم توظيفهما في مشروع منظمة العمل الدولية لإعادة تأهيل المدارس في حلب
صداقة الطفولة: رحلة محمد وإبراهيم في تأهيل المدارس

محمد وإبراهيم، طالبان جامعيان وأصدقاء منذ الطفولة. تم توظيفهما في مشروع إعادة تأهيل المدارس التابع لمنظمة العمل الدولية، وبذلوا جهدهم في إعادة إحياء مدرستهم القديمة. وركزوا على تجديد الفصل الدراسي العزيز على قلبهم في الطابق الثاني، وهو مساحة مليئة بذكريات طفولتهم المشتركة، وكرسوا أنفسهم لهذه المبادرة. وبعيدًا عن مساعيهم الأكاديمية، فإن التزامهم بهذا المشروع يُظهر رابطة عميقة استمرت عبر الزمن. تعاونهم لا يقتصر فقط على التجديد المادي؛ إنه تحية صادقة لصداقتهم القديمة، حيث يربط ماضيهم كزملاء في الصف مع حاضرهم كطلاب جامعيين وعاملين متفانين يساهمون في مجتمعهم.

بالنسبة لمحمد الأحمد، الشاب الذي يتطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا، كان هذا المشروع أكثر من مجرد راتب. "كوني الأصغر في عائلتي، فإن العمل على إعادة تأهيل مدرسة طفولتي مع صديق طفولتي يملؤني بالفخر. إنه استثمار في مستقبلي"، معبراً عن أمل جيل يتوق إلى الاستقرار.

"باعتباري الأصغر في عائلتي بعمر 20 عامًا، شرعت في رحلة جديدة، رحلة تمزج بين سعيي الأكاديمي وفرصة عمل لائقة بمشاركة أقرب رفيق لي وذكريات لا تعد ولا تحصى منذ الطفولة."

محمد الأحمد
"حاليًا، أرتاد سنتي الأولى الجامعية في كلية الأدب الإنجليزي في جامعة حلب، وفي عملي الحالي أكتسب أول تجربة عمل لي. هذه الفرصة، التي نادرًا ما تكون متاحة للطلاب بسبب تضارب جداول الدراسة الجامعية، كانت بمثابة جوهرة نادرة. ما يميز هذا المشروع هو مرونته. هنا، يتم منحنا الحرية في أخذ إجازات من أجل الامتحانات وحتى لحضور المحاضرات، مما يجعل ساعات العمل متوافقة مع التزاماتنا الأكاديمية. إنه عمل فريد من نوعه، نستطيع أن نعمل ونلقى أجراً بالساعة، بحيث لا يتضارب مع روتين جامعتنا. وبعيدًا عن المكاسب المالية المباشرة، فإن هذا المسعى يحمل قيمة كبيرة لمستقبلي. إنه جيد للسيرة الذاتية. ومع ذلك، فإن الأهمية تكمن وراء مجرد سطر في السيرة الذاتية. إن المساهمة في إعادة تأهيل مدرسة طفولتي تبدو شخصية للغاية. إن العمل في الفصل الدراسي الخاص بي يثير بداخلي شعوراً بالحنين، وهو استعادة ذكريات طفولتي المنغرسة ضمن هذه الجدران."

في رحلة إبراهيم عفارة، مهندس تكنولوجيا المعلومات الطموح، تتشابك الطموحات الشخصية والعائلية. ويقول: "إن أحلام والدي التي لم تتحقق هي التي تدفعني. وهذه الفرصة تدعم تعليمي وتمنحني خبرة لا تقدر بثمن." لديه تصميم يتردد صداه من خلال سعيه للمعرفة والنمو.
ينظر إبراهيم، البالغ من العمر 21 عامًا، إلى حياته المكونة من اضطرابات الحرب والسعي الحازم للتعليم رغم كل الصعاب.
"عندما بدأت الحرب، لاحت حالة من عدم اليقين، لكننا بقينا، لا نعرف مكانًا آخر نلجأ إليه،" يقول إبراهيم، وهو شاهد على المخاطر التي تواجهها عائلته. "لدي إخوة أصغر مني، وأنا مصمم على توجيه أختي نحو تحقيق حلمها في أن تصبح طبيبة."
يدرس إبراهيم حاليًا هندسة المعلوماتية في جامعة حلب، ويعيش حياة مزدوجة: طالب مجتهد يحضر المحاضرات وعامل متفاني في مشروع إعادة تأهيل المدارس التابع لمنظمة العمل الدولية. ويضيف: "ستسمح لي هذه الوظيفة بشراء جهاز كمبيوتر محمول، وهو أداة أساسية لدراستي في هندسة تكنولوجيا المعلومات."
إن سعي إبراهيم للتعليم يحمل ثقلًا عائليًا عميقًا. يكشف قائلاً: "أنا أحقق حلم والدي. كان يتوق إلى التعليم الجامعي لكنه لم يتمكن من مواصلة ذلك. والآن، من خلال التحاقي بالجامعة، أحقق تطلعاته التي لم تتحقق."

إن كفاح والده في إعالة الأسرة بسبب فقدان وظيفته يلقي بثقله على قلب إبراهيم. "كان يعمل في طباعة الملابس، وكنت أساعده، لكن الظروف أجبرته على بيع الآلات، مما جعله عاطلاً عن العمل."
إن مرونة مشروع منظمة العمل الدولية، التي تسمح بالإجازات الساعية، هي نعمة نادرة. "إنها تتيح لي تحقيق التوازن بين العمل والمحاضرات الجامعية، وتغطية تكاليف التنقلات الخاصة بي،" يقول إبراهيم ممتنًا لفرصة نادرًا ما تتاح لطلاب الجامعات في أماكن أخرى.


"هذه المدرسة تحمل ذكريات،" يقول إبراهيم وهو يقوم بتركيب البلاط، ويعود لزيارة فصله الدراسي في الطابق الثاني، حيث كان يدرس هو وصديقه محمد ذات يوم. "إنه أمر يثير الحنين بداخلي، أن أتخيل نفسي جالسًا في الصف الأمامي كما كنت أفعل عادةً وأتعلم مع زملائي بحضور معلمتي."

"ان تعلم أعمال إعادة التأهيل هنا لا يقدر بثمن". إنها فرصة لتعزيز مهاراتي التي سأستخدمها بالتأكيد عندما أتزوج ويكون عندي منزل خاص بي - ومن المؤكد أنها ستوفر علينا رسوم التصليحات، إذا كنا بحاجة إلى إعادة تركيب البلاط في منزلي المستقبلي!

ابراهيم عفارة

إن بيئة العمل المنظمة والتركيز على السلامة يتردد صداها بعمق لدى إبراهيم.!"

بعيدًا عن الدراسة والعمل، يعتز إبراهيم بدوره ضمن الفريق، ويستمتع بتجربة العمل الجماعي التي تثري حياته. "بالعمل معًا، وفهم الفئات العمرية المختلفة، أكتسب مهارات حياتية قيمة سأحتاجها في المستقبل!"

وأخيرا، يحث إبراهيم بشدة المنظمات الإنسانية على اتباع نموذج منظمة العمل الدولية، ويدعو إلى الفرص التي تجمع بين التعليم والخبرة والتمكين لطلاب الجامعات.

قصة أم عبدالله
ام عبدالله تعمل في مشروع منظمة العمل الدولية لإعادة تأهيل المدارس في حلب


وسط الكدح والأمل، تقف قصة أم عبد الله بمثابة شهادة على المرونة التي تتجاوز المكاسب المالية. وتقول: "أقوم بتنظيف الموقع، ومساعدة العمال، وأشعر أنني مساهمة في العمل."
"لدي تسعة أطفال - ستة فتيات وثلاثة أولاد. كان لدينا ابن، لكنه توفي،" تخبرنا قصة حياتها التي امتزجت بالخسارة والإصرار. وتتابع: "ثلاث من بناتي يذهبن إلى هذه المدرسة."

رحلة عائلتها، التي شابها النزوح بسبب الحرب، أعادتهم إلى منزلهم، الذي يعيش فيه الآن ابنها مع عائلته، مما دفعهم للعيش ضمن مبنى المدرسة التي يعمل فيها زوجها، حيث يقوم بتنظيف المدرسة وإعداد الشاي والقهوة للمدرسين.

وتتذكر قائلة: "عندما وقع الزلزال، لجأ الكثيرون إلى ساحة المدرسة، وقام زوجي بفتح البوابات."

"أقدم المرطبات للعمال وأنظف الموقع بعد انتهاء ساعات عملهم. هذه أول فرصة عمل في حياتي، ولا تتعلق فقط بكسب المال، بل تتعلق بالتغلب على ألم فقدان ابني."

ام عبدالله

تؤكد ام عبدالله على دورها الحيوي في ضمان النظافة وتسهيل جهود الفريق. وتضيف بفخر: "قد لا أقوم بعمل شاق، لكن التنظيف هو مساهمتي في هذا العمل الجماعي."
.فرحتها لا تنبع فقط من المكاسب المالية؛ إنه في مشاهدة تحول المدرسة والسعادة التي تجلبها للطلاب. وتقول: "إن حماستهم بشأن تجديد المدرسة أمر يثلج الصدر؛ فهم يعتقدون أن ذلك سيعزز تعلمهم،" مرددة حماس المجتمع للمشروع
من خلال تشجيع النساء على كسر الحواجز المجتمعية، داعية إلى مشاركتهن في القوى العاملة لتخفيف الأعباء المالية. وتقول: "أحث النساء على العمل ودعم أزواجهن والتغلب على الحواجز الاجتماعية،"، وهي مصممة على مواصلة المشاركة في جهود إعادة التأهيل.


قصة أبو أحمد حول التكيف والإنجاز

نضال الترك يعمل في مشروع منظمة العمل الدولية لإعادة تأهيل المدارس في حلب

نضال الترك، أو أبو أحمد، أب مخلص لثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين 17 و16 و13 عامًا، يخوض رحلة تتسم بالنزوح والمثابرة وسط الشدائد. ويقول: "لقد عطلت الحرب كل شيء، وخاصة تعليم أبنائي". لقد نزحنا، وعدنا إلى ديارنا، لنواجه الزلزال الذي خلف تشققات في جدران وسقف منزلنا في الطابق الخامس."
قبل النزاع، كان أبو أحمد يعمل بجد في مصنع للنسيج. ومع ذلك، فإن إصابة عينه جراء العمل تطلبت إجراء عملية جراحية، مما جعله يرى في عين واحدة فقط. ويشرح قائلاً: "لقد جربت العمل في مجال الكهرباء، لكن وظائف الصيانة كانت نادرة. ثم اتجهت إلى مهنتي الأصلية، وهي الطلاء". "في مجتمعنا، يعتبر الطلاء في كثير من الأحيان رفاهية، وليس ضرورة. لكن طلاء المدارس أثناء إعادة تأهيلها فتحت الباب أمام العمال من أمثالي."
علم أبو أحمد عن مشروع إعادة تأهيل المدارس التابع لمنظمة العمل الدولية عبر أحد الأصدقاء. يقول أبو أحمد: "عندما سمعت أنهم بحاجة إلى عمال طلاء، شعرت بأنها فرصة جيدة."

"هذا العمل مريح، وعلى الرغم من أن ارتداء معدات الحماية الشخصية كان جديدًا بالنسبة لنا، إلا أنه من أجل سلامتنا ويؤدي إلى نتائج عمل أفضل."

نضال الترك

هذه ليست سوى بضع قصص تعبر عن المرونة والتصميم والأمل الذي لا يتزعزع. إنها تعني أكثر من مجرد التعافي؛ هي ترمز إلى مجتمع لا يعيد تأهيل المدارس فحسب، بل يعيد نسج الحياة.
في حلب، لا يقتصر مشروع منظمة العمل الدولية على تجديد الأبنية فحسب؛ يتعلق الأمر ببث الحياة في التطلعات المنسية. كل ضربة طلاء، وكل بلاطة موضوعة، وفنجان شاي يتم تقديمه يقف بمثابة شهادة على قدرة الروح الإنسانية التي لا تتزعزع على الارتفاع فوق الشدائد.
وقد امتد تأثير المشروع إلى ما هو أبعد من أسوار المدرسة، ليصل إلى الأسر والأحياء. لم يكن الأمر مجرد إعادة تأهيل شاملة للبنية التحتية؛ لقد كان حافزًا للتغيير المجتمعي، وتعزيز الوحدة والمرونة والرؤية المشتركة لغد أفضل.