المساواة بين الجنسين

النضال جارٍ على قدم وساق للقضاء على التمييز في الأجور بين الجنسين في قطاع التعليم الخاص الأردني

يسلط عدم المساواة في الأجور بين الرجل والمرأة في قطاع التعليم الخاص في الأردن الضوء على اتجاهٍ وطني يطالب بخطة مواجهة شاملة.

مقالة تحليلية | ٠٩ أكتوبر, ٢٠١٤
اعتقدت سحر* التي تبلغ من العمر 25 عاماً بأنها حصلت على وظيفتها التي تحلم بها عندما عينتها مَدرسة خاصة في العاصمة الأردنية عمّان كمُدرسة بعد تخرجها من الجامعة بفترة قصيرة. ولكن هذا الحلم سرعان ما تحول إلى تجربة مريرة عندما وجدت بأن أجرها أدنى بكثير من أجر نظيرها.

ففيما كان كلاهما خريجين جديدين ويدرّسان المواد نفسها لعدد الساعات نفسه، كانت سحر تحصل على 150 دينار أردني (نحو 211 دولار) شهرياً مقارنة بزميلها الذي كان يتقاضى 200 دينار (قرابة 282 دولار). ثم اكتشفت بأنها ليست الوحيدة، إذ كانت أجور معظم المُدرسات في مَدرستها أدنى بكثير من أجور المدرسين.

وتقول سحر بأنها تحدثت مع إدارة المدرسة عن هذا التفاوت الصارخ في الأجور، بيد أن الإدار ة تجاهلتها بوضوح. وعندما وجدت بأن الوضع لا يطاق، قررت الاستقالة بعد مرور أربعة أشهر من مدة عقدها الذي يمتد إلى عام كامل. وكان قرارها مفجعاً لها، إذ تقول: "شعرت بالاكتئاب لإدراكي بأني بعد كل هذه الدراسة والعمل الشاق لن أعود إلى التدريس في قطاع التعليم الخاص قَط". وتسعى سحر التي تواصل الآن دراساتها العليا في مجال دراسات المرأة إلى أن تصبح مدافعة عن حقوق العمل للمرأة في الأردن، وأمامها في ذلك مهمة عسيرة.

وقد أطلقت منظمة العمل الدولية واللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة ووزارة العمل الأردنية عام 2013 تقريراً مهماً عن فجوة الأجور بين الجنسين في قطاع التعليم الخاص في الأردن. وأشار التقرير إلى وجود فجوة كبيرة في الأجور بين الجنسين في هذا القطاع وتصل إلى 41.6 في المائة في المدارس الخاصة و23.1 في المائة في الجامعات الخاصة. وهذه الفوارق موجودة رغم مصادقة الأردن على اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 100 لعام 1951 بشأن مساواة العمال والعاملات في الأجر عن عمل ذي قيمة متساوية ورقم 111 لعام 1958 بشأن التمييز في الاستخدام والمهنة.

يخشون التقدم بشكوى

قال كمال المعاني رئيس مديرية تفتيش عمل عمَّان في وزارة العمل إن نحو 80 في المائة من الشكاوى المتعلقة بالأجور تأتي من قطاع التعليم الخاص. وأردف: "تتعلق معظم الشكاوى التي نتلقاها من نساء في ذلك القطاع بحصولهم على أجر أدنى من الحد الأدنى للأجور، في حين يحصل الرجال (الذين يؤدون المهام نفسها) على أجور أعلى".

ويشير التقرير المذكور إلى أن هذه الفجوة تعود إلى عدة عوامل، منها عدم وجود أحكام قانونية تشجع المرأة على الانضمام إلى القوى العاملة أو تعزيز المساواة في مكان العمل، والمفاهيم الاجتماعية و الثقافية السائدة التي تصوّر الرجل على أنه المعيل الرئيسي للأسرة ويحق له بالتالي الحصول على أجر أعلى من أجر المرأة.

وأوضحت عبير دبابنة مديرة مركز دراسات المرأة في الجامعة الأردنية قائلة: "تُعتبر المعايير الاجتماعية ونظرة المجتمع إلى المرأة من العوامل الرئيسية المساهمة في فجوة الأجور بين الجنسين في المملكة. فالمجتمع ينظر إلى المرأة على أنها دون الرجل، ولذلك لا يقدَّر عملها بمستوى عمل الرجل ذاته. كما ترفض بعض النساء التقدم بشكوى ضد التمييز إما خوفاً من فقدان عملهن أو بسبب ضغوط اجتماعية".

المواجهة

تعاونت منظمة العمل الدولية عام 2011 مع اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة ووزارة العمل على تشكيل اللجنة الوطنية للإنصاف في الأجور التي تهدف في المقام الأول إلى تعزيز تدابير فعالة تسد فجوة الأجور بين الجنسين. وقد نمَت هذه اللجنة منذ تأسيسها وأصبحت تضم نقابات عمالية، وجمعيات مهنية، وأصحاب عمل ، ومنظمات مجتمع مدني، ومراكز بحوث نسائية، وصحفيين، وبرلمانيين.

وقالت ريم أصلان المستشارة الوطنية لمنظمة العمل الدولية في مجال الإنصاف في الأجور في الأردن إن أحد أهم جوانب عمل اللجنة حتى الآن هو بحوثها التفصيلية عن التمييز في الأجور بين الجنسين في قطاع التعليم الخاص، حيث تُستخدم نتائج هذه البحوث كدليل لوضع توصيات تعالج هذه القضية.

وأضافت: "لا بد على المستوى التشريعي من خلق مزيد من الضغوط الفعالة تؤيد إدخال تعديلات ذات صلة على قانون العمل الأردني بهدف تعزيز المساواة في الأجور عن عمل ذي قيمة متساوية تماشياً مع معايير العمل الدولية". وهي توضح بأن أعضاء اللجنة يعملون على المستوى المحلي مع الجمهور وواضعي السياسات وقادة المجتمع المحلي على مستوى المحافظات للتوعية بشأن المساواة في الأجور عبر تنظيم ورشات عمل وحملات إعلامية في جميع أنحاء المملكة.

التمثيل لإلغاء التمييز

انضمت مؤخراً نقابة المعلمين الأردنية المُنشأة حديثاً إلى منظمة العمل الدولية وشركائها لتمثيل المعلمين في النزاعات العمالية ومكافحة التمييز المتفشي في الأجور .

وحثت عبير الأخرس، رئيسة لجنة التعليم الخاص في النقابة، المعلمين على التوجه إلى النقابة لإبلاغها عن مشاكلهم، حيث قالت: "نحن نريد أن ندعم المعلمين، ولكن يتعين عليهم المجيء إلينا للحصول على هذا الدعم. فهم مسؤولون جزئياً عن ضمان معالجة قضاياهم".

ومن جانبها، تعتقد سحر بأنه كان من الممكن لها أن تستمر في وظيفتها الحلم لو كانت النقابة موجودة عندما كانت تدرّس، حيث تقول: "عندما واجهت مشاكل في 2011، لم يكن هناك نقابة للمعلمين ألجأ إليها. أما الآن فيوجد نقابة، وينبغي أن تلعب دوراً كبيراً في دعم المعلمين من خلال التوعية وتفسير القانون. كما ينبغي تشجيع هؤلاء النساء من أجل إيصال أصواتهن".

خطوات نحو النجاح

تخطط منظمة العمل الدولية بالإضافة إلى دعم نقابة المعلمين إلى إدخال نظامٍ للموارد البشرية يراعي الفوارق بين الجنسين في مَدرستين خاصتين بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والنقابة. وهي تعمل حالياً على وضع معايير لاختيار المدارس التي ستجرب منهجيتها في تقييم الوظائف المحايدة إزاء الجنس، حيث تُعتبر هذه المنهجية أداةً تعزز مبدأ الأجر المتساوي عن عمل ذي قيمة متساوية.

وعلى الرغم من أن أصلان ترى بأن هذه المبادرة الناشئة ليست سوى عنصراً واحداً من خطة المواجهة الشاملة المطلوبة للقضاء على التمييز في الأجور بين الجنسين في الأردن، إلى أنها واثقة بأن نتائج ملموسة ستتحقق قريباً.

وهي تقول: "التعليم الخاص هو أول قطاع نتعامل معه، ونحن نقوم بذلك من باب التجربة. كما أننا نتعلم من خلال العمل مع شركائنا ما الخطوات التي يجب اتخاذها في سبيل المضي قدماً. ولكن هذه ليست سوى البداية. ففي حال نجاحنا، سننتقل إلى قطاعات أخرى ونجري قبل كل شيء مزيداً من البحوث المدعومة بالأدلة بغية إيجاد سبل مثبتة لمساعدة المرأة. ويحدونا الأمل بأننا سنتمكن في الوقت المناسب من تخليص الأردن من فجوة الأجور بين الجنسين".

* عُدل الاسم لحماية المصالح المهنية لصاحبته.