الحوار الاجتماعي والثلاثيّة:
الشروط الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
إعداد: وليام سمبسون
المحتويات
قام السيد وليم سمبسون بإعداد وتقديم ورقة حول "الحوار الاجتماعي والثلاثيّة: الشروط الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية" خلال الندوة الإقليمية التي نظمها المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية تحت عنوان "تعزيز الثلاثيّة وتطوير الحوار الاجتماعي في الدول العربية". وعُقدت هذه الندوة من الفترة الممتدة من 24 إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر 2000 في بيروت.
1- الحوار الاجتماعي - مفهومه
يمكن تحديد عبارة "الحوار الاجتماعي" التي يتزايد استعمالها والتي تفتقر إلى الدقّة بطرق مختلفة. فمعناها الأشمل يمكن أن يعني أيّة مفاوضةٍ أو مشاورةٍ أو أيّ نوعٍ آخر من التفاعل داخل المجتمع، تضطلع بها جميع فئات المجتمع أو بعضها من أجل صياغة توصياتٍ أو اتخاذ قراراتٍ تحقّق مصلحة المجتمع المعني. ويمكنها أيضاً بمعناها الاشمل أن تغطّي مواضيع من أيّة طبيعةٍ كانت، ولكنّها تهدف عادةً إلى التركيز على مواضيع مرتبطة بالمجتمع مثل الاقتصاد والتعليم والصحّة والاستخدام وظروف العمل وغيرها من الأمور التي تؤثّر على المجتمع ككلّ أو على بعضٍ منه. أمّا المجموعات أو الفئات المشاركة في الحوار، فيتمّ تحديدها انطلاقاً من مصلحتها أو صلاحيّتها في المسائل موضوع النقاش، ومن قدرتها كذلك على المشاركة في الحوار. ومن الواضح أنّ المشاركة في هذا الحوار تعتمد على حريّة مجموعات أو فئات المجتمع للمشاركة فيه، وهذا رهن بدوره بالقوانين والتشريعات التي تحكم عمليةً كهذه في المجتمع. وبالإمكان أيضاً اعتبار الحوار الاجتماعي بمعناه الاشمل عمليةً مفيدةً في البحث عن حلولٍ للمشاكل الاجتماعية والمشاكل الأخرى داخل البلدان بواسطة التشاور والتفاوض وعبر إشراك أوسع مجموعةٍ ممكنةٍ من الفئات المعنيّة التي ليس لديها فقط اهتمام بالموضوع، بل وكذلك القدرة والكفاءة للمساهمة بشكلٍ بنّاءٍ في النقاش. كما أنّها عمليّة يمكن النظر إليها كبديلٍ عن فضّ النزاعات عبر الصراع أو الإجراءات القانونية. وبغضّ النظر عمّا إذا كان تحديد عبارة "الحوار الاجتماعي" واسعاً أو ضيّقاً، فإنّه يُعتبَر عادةً عمليّةً تولّد نتائج أكثر إيجابيةً وقبولاً، وذلك نظراً إلى المدى الأوسع للتشاور، وبالتالي الإمكانية المتزايدة لتقبّل هذه النتائج التي حقّقتها مجموعة أوسع من المجتمع. وهكذا، فإنّها ترتبط كمفهوم بمبدأ الحرية والديموقراطية وسيادة القانون.
وطبقاً لمصطلحات منظمة العمل الدولية، تحمل عبارة "الحوار الاجتماعي" معنىً أكثر تحديداً ودقّة. وهو مرادف لعبارة "الثلاثيّة" التي لا تميّز وحسب هيكلية المنظّمة الثلاثية والفريدة (أي أصحاب العمل والعمال والحكومات)، بل أيضاً التفاعل بين هذه المجموعات الثلاث التي تسعى منظمة العمل الدولية إلى تعزيزها باعتبارها أساسية للنهوض بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية. غير أنّ بعض الأعضاء سعوا مؤخراً إلى إعطاء العبارة معنىً أشمل بهدف مراعاة مشاركة المجموعات الأخرى ومصالحها (أو الأطراف المعنيّة) في المجتمع وفي تلك المسائل التي يعتبر فيها الشركاء الثلاثة في منظمة العمل الدولية أنّهم يتمتّعون بالقدرة والكفاءة الأكبر. ويعارض أعضاء آخرون بشدّةٍ إدخال أطراف آخرين من "المجتمع المدني" في العمليّة "الثلاثيّة" مثل المنظمات غير الحكومية، ويصرّون على أنّ الحكومات المعنية ومنظمات العمال وأصحاب العمل هي الوحيدة التي تستطيع قانونياً تمثيل الأعضاء المنستبين إليها. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المشكلة معقّدة ولن يتمّ حلّها بسرعة. ولغايات هذه الورقة، فإنّ عبارة "الحوار الاجتماعي" سوف تُستخدَم بمعنى "الثلاثيّة" أو التعامل الثلاثي بين الحكومة بصفتها ممثّلةً للدولة، ومنظمات أصحاب العمل والعمال، وذلك بقصد التعاطي مع المسائل وصياغة وتنفيذ السياسات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي. ويسعى الحوار الاجتماعي في هذا المعنى إلى تحقيق فهمٍ أكبر للمصالح المتعارضة للأطراف بهدف المصلحة العامة. وهو يشير بشكلٍ أساسي إلى الحوار والعلاقات الصناعيّة حيث يُعتبَر التعاون الثلاثي بين الحكومة والصناعة والعمال مقبولاً على المستوى الوطني كاستراتيجيةً لتحقيق تقدّمٍ اقتصادي واجتماعي متوازن. وفي عددٍ من البلدان، أدّت علاقات كهذه إلى اتفاقاتٍ أو عقودٍ أو مواثيق اجتماعية بين الأطراف، غالباً ما تضمن السلام والاستقرار الاجتماعيّين لفتراتٍ طويلة الأمد.
وقد يتضمّن الحوار الاجتماعي أيضاً تعاملاً مباشراً بين العمال وأصحاب العمل، وهذا ما يُعرَف بالمفاوضة الجماعية، وذلك على المستوى الوطني أو القطاعي أو المؤسّسي، وفقاً للمستويات التي تجري فيها المفاوضة الجماعية في سوق العمل في البلاد. وقد تُعتبر هذه "الثنائيّة" جزءاً من "الثلاثيّة"، علماً أنّ الحكومة بصفتها مشرّعاً، تؤدّي دور واضع الإطار القانوني أو قوانين العمل التي تحكم العلاقات الصناعيّة، أو دور الموفَّق أو الحكَم في حال نشوب نزاعاتٍ يصعب حلّها بين الأطراف. وفي وقتٍ لاحق من هذه الورقة، سنلقي نظرةً أقرب على دور الدولة في مسار علاقات العمل اليومية.
2- أهداف وغايات الحوار الاجتماعي/الثلاثيّة
في سياق منظمة العمل الدولية، لا بدّ من التذكير أنّه في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في العام 1944 في فيلادلفيا، اعتمد مؤتمر العمل الدولي إعلاناً يعيد تحديد أهداف المنظمة وغاياتها ويمنحها صلاحيةً موسّعة. وبالإضافة إلى إعلان هذه المبادئ الأساسيّة مثل "إنّ العمل ليس بسلعة" أو "إنّ حرية الرأي وحرية الاجتماع أمران لا غنى عنهما لاطّراد التقدّم" و"إنّ الفقر في أيّ مكان يشكّل خطراً على الرفاهيّة في أيّ مكان"، فإنّ إعلان فيلادلفيا له عدد من الأهداف الأكثر تحديداً بما في ذلك الإقرار الفعليّ بحقّ المفاوضة الجماعية، والتعاون بين العمال والإدارة في مجال التحسين المستمرّ للفعالية الإنتاجيّة، والتعاون بين العمال وأصحاب العمل في وضع الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية وتطبيقها. وفي العودة إلى الوراء، نلاحظ أنّ برنامج إعادة الأعمار والانتعاش الاقتصادي في أوروبا في فترة ما بعد الحرب العالميّة مكّنا منظمة العمل الدولية من متابعة هذه الولاية الموسّعة التي كانت دول أوروبا الغربية والأميركيّتين من روّاد المدافعين عنها والمؤيّدين لها. أمّا أهمّ المستفيدين من هذه الصلاحيات الجديدة، فهم العمال في هذه البلدان، لا بلّ والأهمّ من هذا كلّه أنّ الثلاثيّة أصبحت إطاراً يتمّ من خلاله التفاوض بين الشركاء الاجتماعيّين بشأن مختلف مكوّنات السياسة الاجتماعية وبالتالي التوصّل إلى حلولٍ لها. وعليه، فقد تمّ دمج إعلان فيلادلفيا في دستور منظمة العمل الدولية ليعطي بُعداً أوسع للأهداف الأساسية الواردة في الديباجة.
أمّا فرادة منظّمة العمل هذه فلا تكمن في أهدافها وغاياتها بقدر ما تُعزى إلى هيكليّتها الثلاثية. وفي العام 1919، اعتبر واضعو دستور منظمة العمل الدولية أنّ مهمّة إعادة الأعمار والتنمية في مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن تنفيذها، كما لن يكون بالإمكان تحقيق أهداف المنظّمة ما لم يؤدِّ العمال وأصحاب العمل دوراً تشاركياً نشِطاً في صياغة السياسات والاستراتيجيات التي تُعتبَر ضرورة إذا ما أريد تحقيق أيّة نتائج إيجابيّة. وكانت المشاركة المباشرة للعمال ولأصحاب العمل في المنظمة بمثابة توجّهٍ جديدٍ من نوعه يعني عملياً أنّ الإدارة والعمال يتمتّعون بوضعيةٍ متساويةٍ مع ممثّلي الحكومات فيها. وكان هذا المبدأ يصبو إلى خلق الثقة بين ممثّلي العمال وأصحاب العمل وإشراكهم بالعمل الحكومي من أجل تحقيق تقدّمٍ اقتصاديّ والحفاظ في الوقت عينه على السلام الاجتماعي. ويعود مصدر فذلكة البنية الثلاثية إلى الإيمان بأنّ العمال وأصحاب العمل يضطلعون بدورٍ مهمّ كشركاء في المجتمع ومشاركين في الحوار الاجتماعي. ورغم المصالح المختلفة والمتباعدة لكلّ من هاتَين المجموعتين، فقد أتت مشاركتهما بالحيويّة والنشاط إلى المنظمة ومجالسها.
ويبقى مبدأ الثلاثيّة حتّى يومنا هذا العمود الفقَري لمنظمة العمل الدولية. ولا يمكن الشكّ على الإطلاق بأنّ التطبيق الفعّال لمبدأ الثلاثيّة قد أدّى إلى نتائج إيجابيّة في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليس فقط في أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة، بل أيضاً في مناطق وبلدان مختلفة من العالم. وقد أمّن تطبيقها في الممارسة كذلك قدراً أكبر من الاستقرار الاجتماعي وحتّى السياسي. وترتبط الثلاثيّة أساساً بمبدأ الديموقراطية التي تُعتبَر بدورها في الوقت الراهن مرتبطةً بشكلٍ جوهريّ بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، إن لم تكن ضرورية لها.
ولمّا كانت المجتمعات على ما هي عليه، غدت التناقضات في المصالح بين الشركاء الاجتماعيّين، وبين الشركاء الاجتماعيّين والحكومات مسألة لا يمكن تجنّبها. ولمواجهة هذا الواقع، وضمان عدم تفاقم صراعاتٍ كهذه وتحوّلها إلى اضطراباتٍ مدَنيّة أو حتّى سياسيّة أو أشكال أخرى من الانقطاع في المجتمع، سادَ الاعتقاد بأنّ الثلاثيّة بإمكانها أن تؤمّن الحماية المؤسّساتيّة لإحلال الاستقرار في المجتمع وضمان الأداء السلِس للبُنى الديموقراطية. ولعلّ الحلّ الأمثل يستدعي توازناً محدّداً ما بين الحكومات والعمال وأصحاب العمل، حيث لا تمارس مجموعة معيّنة دوراً مسيطراً على المجموعات الأخرى.
ويستند مفهوم الثلاثيّة في نهاية المطاف إلى أيديولوجية تعزّز فكرة التوصّل إلى حلول توافقيّة للمشاكل الناشئة عن مصالح اجتماعيّة منفصلة. وبعباراتٍ أخرى، يجب الافتراض أنّ الثلاثيّة لتكون فعالةً، لا بدّ من وجود التعدّدية ومن أن تتمكّن المجموعات المستقلّة ذات المصالح المختلفة من العمل بحريّة داخل دولةٍ تتمتّع بالسيادة. وما الحوار الاجتماعي إلاّ عمليّة يشترك فيها معظم العاملين في أمكنة العمل، أو في المجتمع عموماً، في اتخاذ القرارات التي تؤثّر عليهم. وبمعناه الأشمل، فإنّ الحوار الاجتماعي يسمح للمواطنين بإنشاء تجمّعاتٍ يختارونها بأنفسهم، ويخلق ظروفاً للمصالحة بين وجهات متعارضة وغالباً متناقضة بشأن المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إلى ذلك يسمح الحوار الاجتماعي بحكم الأكثريّة، ويشجّع مرونة سوق العمل، كما يشكّل دليلاً عمليّاً على العملية الديموقراطية.
وتعتبر منظمة العمل الدولية أيضاًَ أنّه لا يمكن تحقيق التنمية الحقيقية ما لم يترافق التقدّم الاجتماعي مع التنمية الاقتصادية. وهذا يعني أنّ فعالية الاقتصاد وسوق العمل يجب أن توازيها نظرة متساوية تتعلّق بشؤون الحماية الاجتماعية والنهوض على نحوٍ معقولٍ بحقوق العمال. وفي سياق ما يشهده العالم حالياً بفعل العولمة وانتشار النظريات الليبيراليّة لاقتصاد السوق ، ظهرت بعض الأدلّة على انتقالٍ في التركيز من مزيدٍ من النموّ الاقتصادي إلى مزيدٍ من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإدراكٍ أكبر للمفهوم الذي غالباً ما يتمّ نسيانه، والذي يؤكّد أنّ الهدف النهائي لأيّة تنميةٍ هو رفاه المجتمع بأكمله. ويؤدّي عدد من العوامل المعقّدة إلى تحقيق هذا الإدراك، وأهمّها الاستنتاج بأنّه رغم جميع فوائد العولمة وتحرير التجارة، فإنّ قلّة من الناس تستمتع بها، بينما يتفاقم الفقر والتهميش في كلّ مكانٍ تقريباً. وقد ثبتت عدم صحّة نظريّة الفائدة المُعمّمة، والتي يتمّ بموجبها إعادة توزيع الدخل والسلع والخدمات بشكلٍ تلقائيّ. ولا يهدف هذا بأيّة طريقةٍ من الطرق إلى تقويض الحاجة إلى النموّ الاقتصادي من أجل تحقيق أهداف التنمية، بل إلى تسليط الضوء على أنّ العنصرَين المهمّين للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يجب أن يترافقا إن أردنا تحقيق تنميةٍ متوازنةٍ تشتمل على توزيعٍ عادلٍ للمنافع. ومن المشجّع أن نرى أنّ الحوار الاجتماعي، أقلّه في بعض البلدان، بدأ يحظى بمزيدٍ من المصداقيّة والقبول كوسيلةٍ لخلق ظروفٍ يستطيع أعضاء المجتمع بواسطتها مناقشة المصالح المجتمعية على المدى القصير والبعيد، وفي الوقت نفسه المساهمة في التقدّم والاستقرار ككلّ. ويمكننا القول إنّه ما من بديلٍ حالياً عن الحوار الاجتماعي إن أردنا صياغة السياسات والبرامج بمهارةٍ وتنفيذها بفعاليّة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى تصريح السيّد ولفنسن، رئيس البنك الدولي، في دورة العام 1997 لمؤتمر العمل الدولي والذي تحدّث فيه عن "... الإقرار المطلَق بأنّه يستحيل التوصّل إلى سياساتٍ اقتصاديّةٍ سليمةٍ في غياب سياساتٍ اجتماعيّةٍ سليمة. إنّ هذا لواضح وضوح الشمس".
وكما أشرنا لاحقاً، غالباً ما تكون مصالح أصحاب العمل والعمال متناقضة؛ فيحاول أصحاب العمل زيادة الأرباح وتخفيض الكلفة، بينما يحاول العمال تحسين الأجور وظروف العمل. ومن الأهمية بمكان التركيز على أنّ الطرفَين يتمتّعان بمصالح كبرى مشتركة، خصوصاً تلك المتعلقة بتشجيع علاقات الاستخدام التي تعزّز الإنتاجية ونجاح المؤسّسة، وتلك المرتبطة بخلق مجتمعٍ يمكن فيه تأمين مصالح جميع المجموعات ضمن إطارٍ اقتصادي واجتماعي متوازن. ولا يمكن التوصّل إلى وضعٍ مماثلٍ عبر القوّة أو الإكراه بل فقط عبر المناقشة والتشاور والتفاوض، وبعباراتٍ أخرى، عبر عمليّة الحوار الاجتماعي. فبواسطة الحوار الاجتماعي يمكننا خفض النزاعات أو احتواءها، وتأمين الظروف الحيويّة للاستثمار. ويجدر التذكير أيضاً في هذا السياق بكلمات جلالة الملك الراحل حسين بن طلال، عاهل المملكة الأردنية الهاشمية، في دورة 1997 لمؤتمر العمل الدولي: "أرغب في التركيز على أنّ الحوار الديموقراطي بين الأطراف المعنيّة هو السبيل الوحيد الذي يمكن، من خلاله، للنزاع أن يتحوّل إلى تجانسٍ، ويؤدّي إلى حلٍّ عادلٍ ومتوازنٍ ومنصف".
ويمكن أيضاً أن نقيم برهاناً مفاده أنّ حسن سير مؤسسات الحوار الاجتماعي أساسيّ لمرونة سوق العمل ولمواجهة مشاكل اقتصادية كتلك التي عانتها بلدان ومناطق تأثّرت بأزماتٍ كبرى أو بتطبيق برامج التكييف الهيكلي. وما الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي ضربت بلدان جنوب شرق آسيا في منتصف العام 1997 إلاّ خير مثالٍ على الدور الحالي والمحتمَل الذي يستطيع الحوار الاجتماعي تأديته في التكيّف مع ظروفٍ دقيقةٍ كهذه، وفي السعي لاستقرار الاستخدام عبر تعزيز التوازن الملائم بين السياسات السليمة اقتصادياً والحاجة إلى الحماية الاجتماعية. فمنطقة جنوب شرق آسيا ليست منطقةً معروفةً بقدرتها على الحوار أو على تشجيع المؤسسات الثلاثية. وكان البعض يعتقد بالطبع أنّ بلدان هذه المنطقة التي كانت تتمتّع بأكبر معدّل نمو اقتصادي وكذلك في مجال الاستخدام هي نفسها التي تعاني من ضعف تقاليد الحوار الاجتماعي والأطراف المشاركة فيه، وغالباً ما كان لها تاريخ في قمع حقوق الإنسان والعمال. غير أنّه يبدو جلياً أنّه لا يمكن مواصلة الاستراتيجيات التي تسعى للحدّ من المشاركة الديموقراطية إلى ما لا نهاية (كما هو الحال في جمهورية كوريا وإندونيسيا)، وأنّ هناك القليل من العلاقات المنتظمة بين نظم العلاقات الصناعية ومعدّل نموّ الاقتصاد والاستخدام حتى بين تلك الدول ذات الاقتصادات السريعة النمو في المنطقة. ومن الجدير ذكره أنّ نموّ الاقتصاد والاستخدام يعتمد على عوامل عديدة ليست السياسات الصناعية والاقتصادية الكلّية أهمّها. بالإضافة إلى هذا، يبدو أنّ ثمّة علاقة إيجابية بين النموّ الاقتصادي والطلب على المشاركة الديموقراطية. وإنّ التكيّف مع نوع المشاكل الناتجة عن الأزمة في جنوب شرق آسيا يبدو أكثر احتمالاً بوجود مؤسساتٍ وطنيةٍ للحماية الاجتماعية تتمتّع بالقوّة والكفاءة وتشكّل أقنية الحوار الاجتماعي جزءاً مهماً منها. وفي هذه المرحلة، يمكن القول عموماً إنّه في معظم بلدان المنطقة آنذاك، ساهم غياب أو ضعف المؤسسات الاجتماعية للحوار في تفاقم نتائج الأزمة اجتماعياً واقتصادياً، وفي خلق وضعٍ خطيرٍ من التوتّر وعدم الاستقرار في بعض الحالات.
وفي عددٍ من بلدان ما يُعرَف بـ"العالم الثالث"، غالباً ما تستتبع برامج التكييف الهيكلي، من بين أمور أخرى، تخفيض قيمة العملة، ورفع الدعم، وخفض نفقات الحكومة، وإزالة العوائق على التجارة، وأكثر من هذا كلّه، خفض الحماية الاجتماعية. وعليه، تكون نتائج هذه الإجراءات عميقةً ومدمِّرةً لمجموعاتٍ مختلفة في المجتمع. وهنا أيضاً تشكّل الحماية الاجتماعية أداةً قويةً يمكن من خلالها العثور على حلولٍ لمشاكل كهذه. أمّا العبء المترتّب على ظروفٍ أو أزماتٍ اقتصاديةٍ مماثلة، وتحديداً على اليد العاملة، فيمكن خفضه أو تفاديه كلياً بواسطة عملية الحوار الاجتماعي. وفي السنوات الأخيرة، وفي عددٍ من البلدان (بما فيها البرازيل وغانا وجنوب أفريقيا وجمهورية كوريا)، أجرى الشركاء الاجتماعيون، ولو بدرجاتٍ نجاحٍ متفاوتة، مفاوضاتٍ تتعلّق بأنماطٍ أو تدابير تؤسّس لاستراتيجيات برامج التكييف الهيكلي بما في ذلك تحديد توقيت هذه البرامج وشكلها ومضمونها قبل تطبيقها وخلاله.
وشهدت السنوات الأخيرة أيضاً نشوء توافقٍ بين الهيئات الحكومية البينيّة التي تتراوح من "التقرير العالمي للتنمية، 1995" الصادر عن البنك الدولي، وصولاً إلى الدراسة الأخيرة لمنظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي حول معايير التجارة والعمل، فتقريرَي منظمة العمل الدولية الأخيرَين بعنوان "الاستخدام العالمي" (World Employment) و"التقارير العالمية للعمل"
(World Labour Reports) حول قيمة الحوار الاجتماعي في التكيّف مع التغيّرات المتسارعة التي حملتها العولمة. والمثير للاهتمام أنّ منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي وجدت أنّه زاد احتمال أن تترافق سياسات الحكومات لتحرير أنظمة التجارة مع سياسات توسيع الحريّة والحقوق النقابية. أمّا سبب هذا الاستنتاج، فهو واضح: كما رأينا في منطقة آسيا، فإنّ انفتاح البلدان الحتميّ على القوى الاقتصادية الخارجية يعرّض المجتمعات، وخصوصاً القوى العاملة، إلى خطرٍ خارجيّ أكبر. ولعلّ التنظيم الجماعي هو أفضل ضمانةٍ للتخفيف من حدّة هذه المخاطر. وبالتالي، فإنّ النموّ المستدام للاقتصاد والاستخدام يصبح أكثر احتمالاً إن أسّسنا قنوات حوار اجتماعيّ تسير وفق الطريق الصحيح.
3- متطلّبات الحوار الاجتماعي الفعّال
تُظهر تجارب البلدان بوضوحٍ أنّه لا يمكن الفصل بين الديموقراطية السياسية واقتصاد السوق والثلاثيّة، وأنّه يستحيل تحقيق أيّ من هذه الأهداف من دون الآخرَين.
فالتعاون الثلاثي (كما تراه منظمة العمل الدولية، وخصوصاً في صكوكها المتعلّقة بالتعاون الثلاثي) يتضمّن نوعاً من التوفيق بين المصالح بحيث تجد الحكومات وأصحاب العمل والعمال (أو منظّماتهم) رغم تعارض مصالحهم، مجالاتٍ مشتركة للتوافق من أجل الحصول على منافع لهم وللمجتمع ككلّ. ويتمثّل أحد الافتراضات الأساسية الأخرى للتعاون الثلاثي بإقرار الدولة بشرعيّة منظمات العمال وأصحاب العمل وبحرّيتها للدفاع عن مصالح أعضائها عبر ممارسة الحقوق المدَنية والسياسيّة التي تدعم الديموقراطية والحرية النقابية. ومن الأمور الأخرى التي لا تقلّ أهميةً، إقرار الدولة بأنّ هذه المجموعات تحمل فكراً بنّاءً تُقدّمه للنقاش الاقتصادي والاجتماعي.
وممّا لا شكّ فيه بأنّ التدابير الثلاثية يمكنها أن تعود بالفائدة المتبادَلة على الحكومات والشركاء الاجتماعيّين، ويجب أن يتمتّع الشركاء كافةً بفرصة الحصول على بعض الفوائد بفعل مشاركتهم في هذه العملية. فالحكومات مثلاً، ورغم أنّها تحتفظ دائماً بسلطة القرار النهائي، قد تجد أنّه من الملائم سياسياً أن تقبل ببعض مطالب العمال أو أصحاب العمل في بعض الشؤون من أجل الفوز بدعمهم في ما يتعلّق بالسياسات غير الشعبيّة. ولكنّه يتعيّن على الدولة بصفتها صانعة القوانين والساهرة على تطبيقها أن تخلق الظروف التي تؤدّي إلى الحوار الاجتماعي عبر القرارات والتشريعات المتعلّقة بالسياسات. ويتعيّن عليها أيضاً أن تؤسّس بُنى الحوار الاجتماعي والموارد والتسهيلات والمعلومات، بالإضافة إلى تشجيع خلق بيئة وثقافة حوار عبر إيجاد الآليات الفعّالة لتجنّب النزاعات أو لحلّها سلمياً. وبالنسبة أيضاً إلى أصحاب العمل والعمال، فإنّ الاشتراك في المفاوضات الثلاثية يفتح الباب واسعاً أمام فرص التأثير على سياسات الحكومة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، غير أنّه عليهم أن يفهموا ويقبلوا أيضاً أنّ هدف الحوار الاجتماعي لا يقتصر وحسب على تأمين حصّةٍ من منافع الازدهار، بل التوزيع العادل للعبء والتضحيات اللازمة للتنمية، خصوصاً في زمن الأزمة الاقتصادية أو التغيير البنيوي. وتعتمد التدابير الثلاثية الفعّالة بطبيعتها إلى حدٍّ بعيدٍ على الثقة المتبادَلة بين الأطراف، وهذا ما لا يمكن تطويره والحفاظ عليه إلاّ إن احترم الأطراف نتائج عملية التشاور.
ولكن إن أردنا الحفاظ على أيّ نوعٍ من التوازن بين الأطراف، لا بدّ من أن تتضمّن العملية الثلاثيّة السلِسة اضطلاعَ كلّ من الأطراف بمهامه بفعاليّة. ويتعيّن على الحكومات من جهتها (وتحديداً وزارات العمل) أن تتمكّن من تأدية الأدوار المختلفة كلما دعت الحاجة إلى ذلك، سواء استدعى هذا التنظيم أو التشجيع أو التوسّط أو التوفيق أو حتّى التحكيم عند الضرورة. ومن جهةٍ أخرى، يجب أن تكون منظمات العمال وأصحاب العمل منظّمةً بطريقةٍ تجعلها فعّالةً وتتمتّع بما يكفي من المستوى التمثيلي والشرعيّة كي تتحدّث وتعمل بما تتمتّع به من سلطةٍ باسم أعضائها وتكون مستقلّةً مالياً وتتمتّع بالمعرفة التقنية اللازمة والقدرة التي تمكّنها من المشاركة بكفاءةٍ في الحوار الثلاثي. وفي بيئةٍ اقتصاديةٍ وتقنيةً معقّدةٍ وسرعة التغيير، من المهمّ أن يتمّ تجهيز وتحضير منظمات أصحاب العمل والعمال بشكلٍ ملائمٍ حتّى تؤدّي الدور المسؤولة عنه.
4- العوائق التي تعترض الحوار الاجتماعي
إنّ التقييم العام لمدى قبول مفهوم الثلاثيّة وبصورة عامة الحوار الاجتماعي هو إيجابي جداً على المستوى العالمي. ولطالما كانت الهيئات والتدابير الثلاثية الوطنية أداة تقليدية للحوار والتوافق في معظم بلدان أوروبا الغربية كهولندا والنمسا والدانمارك وبلجيكا، وهذا على سبيل الذكر لا الحصر. وفي هذه البلدان حيث تمّ ايلاء أهميةً كبرى لتحقيق التوافق الاجتماعي عن طريق الحوار الثلاثي، فإنّ اللجوء إلى المؤسسات الثلاثية في حال وقوع مشاكل اقتصادية أو اجتماعية هو واقعياً بمثابة ردٍّ لا إراديّ. ونجد أمثلةً أخرى على الآليات الثلاثية الوطنية في مناطق أخرى من العالم، ولكنّ شكل هذه التدابير ومداها يختلف من بلدٍ إلى آخر. وعليه، نجد تنوّعاً ضخماً في الأنظمة، فبعضها نظامي وبعضها غير نظامي، ويتمتّع قسم منها بصلاحياتٍ ضيّقة، وقسم آخر بدورٍ أوسع في صياغة السياسات الاجتماعية والاقتصادية. وحتّى في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية حيث كان الحزب الشيوعي سابقاً القوّةَ القياديّة والموجِّهة في المجتمع، ونواةَ النظام السياسي والمنظمات الحكومية والاجتماعية كافّة، فإنّ النشوء الطبيعي للمؤسسات الثلاثية وتطوّرها على المستوى الوطني قد شكّل ظاهرةً تحمل معنىً ذات أهمية ولو محددة. فالانتقال إلى نظام اقتصاد السوق وما نتج عنه من إطلاقٍ حتميّ للحريات أدّيا أولاً إلى انخفاضٍ كبيرٍ في مستويات العيش وإلى إطلاق سلاح التظاهر القويّ الموضوع بتصرّف العمال. وقد أصبح من الضروري خلق الآليات الملائمة التي يمكن بواسطتها تجنّب الخلافات أو حلّها، والتي يستطيع العمال وأصحاب العمل المشاركة فيها. واهتمّت الهيئات الوطنية الثلاثية التي تأسّست بعد ذلك في هذه البلدان بشكلٍ أساسيّ بالأجور وتحديد الأسعار ومسائل الخصخصة والبطالة ومستويات العيش.
ولكن رغم هذه النظرة الإيجابية إلى الحوار الاجتماعي والقبول العام الذي تحظى به مؤسسات الحوار، ثمّة عوامل تُضعف أو حتّى تحول دون عمل البُنى الثلاثية وتحقيق الأهداف التي تتوخّاها. وكما أشرنا سابقاً، فإنّ سير الحوار الاجتماعي بفعاليةٍ يتطلّب وجود نظامٍ حكوميّ ديموقراطيّ واقتصاد سوقٍ يسير كما يجب. وفي عددٍ من البلدان، لم تتحقّق هذه الشروط الأساسيّة بعد، وما من فصلٍ ملائمٍ للسلطات على المستوى الوطني كما هي الحال بين السلطات التنفيذية والتشريعيّة والقضائية. ولا تزال بلدان كثيرة تحت حكم تسلطي الذي يقضي لا محال على الحريات المدنية بسبب غياب سيادة القانون بشكلٍ أساسي. وحتّى عندما يضمن الدستور أو القوانين في هذه البلدان الحقوقَ الأساسية، إلاّ أنّها لا تحظى بالاحترام. وبالإضافة إلى هذا، فإنّ نظام اقتصاد السوق ليس متطوراً ولا تزال الدولة أكبر صاحب عمل في البلاد. وحيثما تتواجد منظمات أصحاب العمل والعمال، تكون عادةً خاضعةً للدولة.
ونجد أيضاً فوارق في النظرة إلى الحوار الاجتماعي إذ يفسّر عددٌ من صانعي السياسات الحوارَ الاجتماعي على أنّه تخلٍّ عن سلطة الدولة المستقلّة لصالح مصالح المجموعات. وهم يعتبرون أنّ البلدان النامية عاجزة عن تأمين "رفاهية" الحوار الاجتماعي، ويؤكّدون أنّ الدولة أفضل مَن يمكنه اتّخاذ القرارات بعد استشارة التقنيّين والمتخصّصين، علما أنّ هذه القرارات لا يمكن فرضها إلاّ من قبَل جهةٍ واحدة. وهم يقرّون بوجهة النظر التي تعتبر أنّ الحكومة السلطويّة "الهادفة إلى الخير العام" هي ضرورية لتحقيق تقدّمٍ اقتصاديّ سريع، أقلّه على المدى القصير. وغالباً ما يتمّ الاستشهاد بسنغافورة في هذا المجال، ولكن يجدر التذكير بأنّ سنغافورة، ورغم القيود الصارمة على بعض الحقوق المدنيّة والحريات، لا تزال تتمتّع بآليّةٍ ثلاثيّةٍ فعّالة. وإلى ذلك يجدر القول أخيراً إنّه من غير الحكيم الاستنتاج أنّ النظام السائد في دولةٍ صغيرةٍ قد يحظى بالنجاح نفسه إن طُبّق في دولةٍ كبيرة. وتعتبر بعض منظمات أصحاب العمل أنّ الحوار الاجتماعي مضيعة للوقت والموارد. وتشكّل هذه التصرّفات السطحيّة عائقاً يعترض حسن سير الحوار الاجتماعي.
أمّا العائق المهمّ الآخر الذي يعترض تعزيز الحوار الاجتماعي الفعّال، فهو ضعف المؤسّسات الحكومية والشركاء الاجتماعيّين. فالحكومات على سبيل المثال التي اعتلت السلطة بواسطة القوّة أو وسائل غير ديموقراطية أخرى، قد تفشل في الحصول على دعم الشعب أو ثقته، فيلقى كلّ ما تقترحه الريبة والشكّ. وفي وضعٍ كهذا، يستحيل وجود أيّ أساسٍ للثقة أو الإرادة الحسَنة يُبنى عليه الحوار الاجتماعي. ويظهر ضعف الحكومات أيضاً عبر وسائل أخرى. ولسوء الحظّ أنّه في عددٍ من البلدان المتطوّرة والنامية، تكون وزارات العمل أو الشؤون الاجتماعية المسؤولة عادةً عن العلاقات مع الشركاء الاجتماعيّين ضعيفةً وتعاني نقصاً في الموظّفين والموارد وسلطة صنع القرار. وغالباً ما تكون قاعدة المعلومات المتوفّرة لديها غير جديرة بالاهتمام، وقدرتها على تحليل سوق العمل ضعيفة. وهي نادراً ما تهتمّ بالمفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية لصياغة برامج التكييف الهيكلي. أمّا نتائج الفشل أو العجز عن معالجة مواطن الضعف هذه، فهي بالغة الأثر بالنسبة إلى البلدان المعنيّة.
وتعاني منظمات أصحاب العمل والعمال أيضاً مواطن ضعفٍ خطيرة، فبعض منظمات أصحاب العمل تخصّص موارد غير ملائمة لتعزيز الحوار الاجتماعي، مفضِّلةً التركيز على شؤونٍ أخرى كالتجارة أو ممارسة الضغط السياسي للتأثير على السياسات الوطنية. ويتمّتع بعضها بعلاقةٍ مباشرةٍ مع الحكومات في السلطة فلا يرى فائدةً من حوارٍ موسَّع، حتّى مع العمال. أمّا بعضها الآخر، فضعيف العضويّة والموارد أو تُضعفه الخصومات مع المنظمات المنافِسة الأخرى. وينشأ المزيد من المشاكل على مستوى التمثيل أيضاً بين منظمات أصحاب العمل وغرف التجارة، علماً أنّ غرف التجارة باتت تتعدّى بشكلٍ متزايدٍ على مسائل كقانون العمل وعلاقات العمل التي تستطيع منظمات أصحاب العمل مواجهتها بكفاءةٍ أكبر. وفي ما يتعلّق بمنظمات العمال، فإنّ أكثر أوجه ضعفها شيوعاً ينجم عن محدوديّة تغطيتها. وفي معظم الحالات، إنّها تمثّل قسماً صغيراً من اليد العاملة وحسب، لذا تكون مصداقيّتها كممثّلةً للقوى العاملة الوطنية موضع شكٍّ دائم تقريباً. وبالإضافة إلى هذا، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، ساهم التغيير التكنولوجي وحركة رؤوس الأموال والعولمة في تغييراتٍ جوهريّة طالَت بُنى سوق العمل، ممّا أدّى إلى تدنٍّ كبيرٍ في عضويّة النقابات العمالية. كما أنّ تعدّد النقابات العمالية أو تفتيت الحركة النقابية يمثّل أيضاً مشكلةً مهمةً في كثيرٍ من البلدان. وفي بلدان أخرى، اصطفّت النقابات العمالية إلى جانب الحزب السياسي الحاكم أو أحزاب سياسية أخرى، فما كانت النتيجة إلاّ أنّ خسرت مصداقيّتها كمنظّماتٍ عمالية.
ومن المهمّ للغاية بالنسبة إلى جميع الأطراف في الحوار الاجتماعي إمكانيّة الحصول على القدرة التقنية والمهنية للمشاركة بفعاليةٍ في الاستشارات الثلاثية. وهذا الأمر يستدعي بالضرورة التدريب والتجربة في شؤون السياسات الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الصناعية، نظرياً وبالممارسة، والتمكّن من التفاوض على مختلف المستويات، والقدرة على فهم وصياغة الاقتراحات الاقتصادية أو القانونية التي غالباً ما تكون معقّدة وتساهم عموماً في الحوار الثلاثي بطريقةٍ إيجابيّة. ويتضمّن هذا أيضاً الوصول إلى المعلومات والقدرة على تحليلها. إلى ذلك قد يشكّل النقص في الحصول على المعلومات الأساسية عائقاً خطيراً يعترض قدرة الأطراف على التفاوض.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن القطاع غير النظامي الذي يشكّل نسبةً كبيرةً ومتزايدةً من اليد العاملة في الدول النامية. ويتّسم هذا القطاع عادةً بعدم الاستقرار، ويفتقر إلى الحدّ الأدنى من الحماية الاجتماعية أو القانونية، كما يصعب تنظيمه. أمّا عجزه عن الانخراط في المشاورات الوطنية أو حتّى المحلّية، فيُعود أساساً إلى عدم تنظيمه، وهذا ما يعيق إلى حدٍّ بعيدٍ الحوار الاجتماعي.
5- الترتيبات المؤسسية للحوار الاجتماعي
هناك مجموعة متنوّعة من الأطر التي يمكن من خلالها تحقيق الحوار الاجتماعي أو التشاور الثلاثي. وبدايةً، في بعض البلدان (مثلاً في أوروبا الغربية) حيث الحوار الاجتماعي متطوّر، تكون الهيئات الثلاثية الرسمية قائمةً على المستوى الوطني، وأحياناً تؤسّسها التشريعات، وتتمثّل مهامها بصنع القرار أو تضطلع بدورٍ استشاريّ. وتتعاطى هذه الهيئات بمواضيع كالضمان الاجتماعي والاستخدام والتدريب أو بشؤون أخرى ترغب الحكومة في تأسيس أو تطوير سياساتٍ تتعلّق بها. غير أنّه غالباً ما يتم إقامة هيئات ثلاثية مماثلة، تضمّ مسؤولين حكوميّين وممثّلي النقابات العمالية الوطنية ومنظمات أصحاب العمل، لتلبية حاجة معينة. وفي هذه الحالات جميعها، فان العملية التشاوريّة تخرج بتوصيات تُوجَّه إلى الحكومة لإطلاعها على الخطوات الإضافية التي يمكن اعتمادها، أو أن تأخذ هذه التوصيات شكل اتّفاقٍ ملزم بين الأطراف. وفي حالاتٍ أخرى، وطبقا للموضوع الذي تتّم مناقشته، قد يحصل التفاوض حصرياً بين ممثّلي العمال والإدارة، على أن تتواجد الحكومة بصفة مراقبٍ. وفي هذه الحالة الأخيرة، قد تشكّل النتيجة أيضاً اتّفاقاً مُلزِماً للأطراف ومعترف به من السلطة.
وقد يحصل الحوار الاجتماعي أيضاً عبر نظم للمشاركة العمالية، وهي عمليّة يشترك العمال بموجبها في المناقشة أو التفاوض على مستوى أمكنة العمل بهدف حلّ المشاكل على هذا المستوى مع الإدارة. إنّ هذه الممارسات لشائعة وهي تؤدّي دوراً ضرورياً لحسن سير المؤسسة، حتّى لو لم تؤدِّ دائماً إلى اتفاقٍ مكتوبٍ ورسميّ.
وفي بلدانٍ كثيرةٍ في العالم، غالباً ما يشارك ممثّلو العمال وأصحاب العمل في حلّ النزاعات الفرديّة أو الجماعيّة بواسطة دورهم في المحاكم الصناعيّة. ويمكنهم في هذه الحالة أن يؤدّوا دور القضاة أو مستشاري المحكمة في التوصّل إلى قرارات. وفعالية مشاركة العمال وأصحاب العمل في هذا النوع من العمل القضائي مفيدةً إذ تساهم في تسريع عملية صنع القرار في بعض الحالات، وتسريع العودة إلى الوضع الطبيعي في مؤسسةٍ كان قد شهدت حالة انقطاع نتيجةً للنزاع القائم.
ويتكون الحوار الاجتماعي عموماً من تبادلٍ منتظمٍ للمعلومات بين الأطراف من أجل تأمين مستوىً أكبر من الفهم المتبادَل لمواقف بعضهما حول موضوعٍ ما. ويمكنه أيضاً أن يتّخذ شكل مشاوراتٍ ثابتةٍ أو منتظمةٍ بين الأطراف بهدف تبادل الأفكار والآراء حول بعض الشؤون الاقتصادية أو الاجتماعية؛ ويمكنه أخيراً أن يأخذ شكل مفاوضاتٍ أكثر رسميّة بين الأطراف على المستوى الثلاثي أو الثنائي، بهدف صياغة اتفاقات مُلزِمة أو أنواع أخرى من المواثيق أو المعاهدات لتطبيقها على المستوى المُتَّفق عليه.
6- مستويات الحوار الاجتماعي ومداه
إنّ الحوار الاجتماعي سواء اتّخذ شكل مشاوراتٍ أو مفاوضاتٍ ثنائية أو ثلاثية، يمكن أن يتم على مستوى المؤسسة أو المصنع أو القطاع الصناعي بأكمله، وعلى المستوى الإقليمي أو حتّى الدولي. وغالباً ما ستحدّد المواضيع المطروحة للبحث المستوى الأنسب للحوار من أجل التوصّل إلى أكثر النتائج فعالية. وعلى سبيل المثال، يمكن مناقشة الشؤون المتعلّقة بصياغة القوانين الدولية للتجارة أو العمل أو شؤون حقوق الإنسان على المستوى الدولي، بينما تشكّل شؤون السياسات العامة حول الأداء الاقتصادي أو الإنتاجية أو سياسات الضرائب أو الأجور أو التكييف الهيكلي أو التدريب أو الضمان الاجتماعي أو التقديمات الاجتماعية أو الحدّ الأدنى للأجور أو شؤون المساواة بين الجنسَين أو البيئة وغيرها من الأمور الأخرى مواضيع يمكن التطرّق إليها أو مناقشتها بشكلٍ أنسب على المستوى الوطني. أمّا المسائل التي تتمّ معالجتها عادةً على مستوى الصناعة ككلّ أو على مستوى المؤسّسة، فهي مواضيع أساسيّة جداً مثل الأجور وظروف العمل، والسلامة والصحّة المهنيّتَين.
7- الحوار على مستوى الصناعة والمؤسسة
يتّخذ الحوار الاجتماعي عادةً على مستوى الصناعة أو المؤسّسة أو المنشاة شكل المفاوضة الثنائية أو الجماعية بين ممثّلي أصحاب العمل وممثّلي العمال المعنيّين. ومن شأن هذه العملية أن تؤدّي عادةً إلى عقد اتّفاقٍ يحدّد ظروف العمل والأجور لفترةٍ محدّدةٍ من الزمن. فالمفاوضة الجماعية من هذا النوع أساسية لتحقيق علاقات عملٍ فعالة، كما أنّها تعتمد على عددٍ من العوامل. أولاً، يجب أن يكون الأطراف في هذه العملية أحراراً للتفاوض والتوصّل إلى اتّفاقٍ بملء إرادتهم ومن دون تدخّل السلطات. وثانياً، يتعيّن على كلّ طرفٍ أن يمثّل أعضاءه وأن يتمتّع بصلاحية عقد اتفاقٍ مُلزِمٍ مع الطرف الآخر. وثالثاً، يستحيل على السلطات أن تُجيز أو تصدّق على اتّفاقاتٍ كهذه قبل دخولها حيّز التنفيذ. وعليه، يجب أن يقتصر دور الحكومة على تأمين الإطار القانوني الضروري الذي يمكن من خلاله أن تتم عملية التفاوض وعلى تشجيع وتعزيز الطبيعة الطوعيّة لهذه العملية، وعلى تأمين الآليات اللازمة للوساطة أو التوفيق أو التحكيم في حال طلبَ الطرفان المساعدة من الحكومة، سواء خلال العملية أو في حال نشوء خلافٌ يعجز الطرفان عن حلّه.
أمّا أحد الأسئلة المهمّة في مجال الهيكلية التفاوضيّة لأصحاب العمل في أيّ بلد، يتعلّق بما إذا كان عليهم التفاوض كمجموعةٍ متّحدةٍ في إطار اتّفاقٍ يشمل الصناعة بأسرها، أو التفاوض بشكلٍ مستقلٍّ يتوصلون فيها إلى اتفاقاتٍ شاملة على مستوى الصناعة أو جزئية على مستوى المؤسسة. فالوحدةً التفاوضيّةً التي قد تغطّيها هذه الاتفاقات قد تشمل المؤسسة بأكملها، أو أحد أقسامها، أو أحد أمكنة العمل أو المنشاة الفردية. وتنبع أهمية اتفاقات التفاوض على مستوى الصناعة ككل من قدرتها على شمول أسواق منتجاتٍ بأسرِها. ومنذ البدايات الأولى للمفاوضة الجماعية، تلمسَت النقابات وأصحاب العمل فوائد عقد اتفاقاتٍ تُعنى بشؤون كلفة الأجور على جميع منتجي السلع والخدمات الذين يتنافسون في السوق عينه، سواء على المستوى المحلّي أو المناطقي أو الوطني. وبالنسبة إلى أصحاب العمل، وخصوصاً أصحاب المنشات الصغرى، فإنّ أوّل وأهمّ ما تقدّمه الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل هو درجة من الحماية لها ضدّ النقابات العمالية القويّة التي ستكون في موقع أقوى للتعامل معها إذا ما كان ذلك بشكل فردي. وثانياً، ثمّة فوائد أخرى لها تأثيرات مهمّة على الإنتاجية، فعلى سبيل المثال، تميل الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل إلى خفض التأثير النقابي على المسائل الإجرائية في مكان العمل. وثالثاً، تؤمّن الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل إدارةَ افضل واشمل للتدريب. فإذا كانت تكاليف التدريب موزعة على الصناعة ككل، فان ذلك سيحول دون بعض أصحاب العمل من تجاهل التدريب وطرد المتدربين من العمال. أمّا بالنسبة إلى النقابات العمالية، فالاتفاقات على مستوى الصناعة ككل هو أمر محبذ كونها تحدد "معدّلات للوظيفة" وتشجّع على تحديد أعضائها وفقاً للمصلحة الجماعية الأوسع على مستوى سوق العمل والمستوى المهني، وتحمي الأعضاء في أماكن العمل الأقلّ تنظيماً.
وحتّى الستّينات، عندما كان أحدهم يتحدّث عن المفاوضة الجماعيّة، كان الافتراض يعني المفاوضة على مستوى الصناعة. وشكلت اليابان والولايات المتحدة الأميركية استثناء لذلك حيث كانت المفاوضة الجماعية على مستوى المؤسّسة اكثر رسوخاً. وكانت المملكة المتحدة أوّل بلدٍ في أوروبا الغربية تحل فيه المفاوضة الجماعيّة محلّ المفاوضة على مستوى الصناعة ككل، وبحلول العام 1990، غطّت الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل واحداً من كل خمسة عمال في القطاع الخاص البريطاني الذين لا تزال تشملهم المفاوضة الجماعية. غير أنّ الظاهرة نفسها سرعان ما أثرت على بلدان أوروبية أخرى مع الانتقال الواسع إلى المفاوضة على مستوى المؤسسة، وذلك حتّى في البلدان التي تتمّتّع بتقاليد تضامن بين أصحاب العمل. والوضع مماثل أيضاً في مناطق أخرى من العالم وفي بلدانٍ مثل أوستراليا ونيوزيلندا وكندا التي تخلت عن النظم شديدة المركزية الخاصة بالأجور لصالح نظم أقلّ مركزيّة للمفاوضة.
أمّا أسباب هذا الانتقال من المفاوضة على مستوى الصناعة إلى المفاوضة على مستوى المؤسسة، فهي متنوّعة ومعقّدة. وفي هذا السياق، يمكن القول ببساطةٍ إنّ التطوّرات في الاقتصاد العالمي خلال السنوات العشرين الأخيرة أو ما شابه قد سرّعت هذه العملية. وعلى سبيل المثال، فان الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل تقتصر على البلدان منفردةً، بينما تجبر التجارة الدولية المنشات، وخاصة الكبرى منها، على العمل على نطاقٍ عالميّ إذا ما أرادت أن تكون ذات قدرة تنافسيةً في أسواق السلع العالمية. وفي ظروفٍ كهذه، يبرز بوضوحٍ تضاؤل فوائد الاتفاقات على مستوى الصناعة ككل. بالإضافة إلى هذا، تمنح المفاوضة على مستوى المؤسسة أصحاب العمل قدرةً أكبر على تحسين الإنتاجية على ضوء ظروف العمل الخاصة بهم، ومرونةً أكبر في تنظيم هيكلية الأجور وشروط العمل التي تتماشى أكثر مع احتياجاتهم. إلى ذلك، تؤمّن الاتفاقات على مستوى المؤسسة أيضاً الفرصة لمزيدٍ من المعاملة الفردية للعمال، وتسهّل على أصحاب العمل تكييف اليد العاملة مع إدخال التكنولوجيات الجديدة إلى المؤسسة. ولكنّ المفاوضة على مستوى المؤسسة تخضع لبعض القيود، فالتخلّي عن أنظمة الأجور على مستوى الوطن أو الصناعة والاختبار في حوافز الدفع والأنظمة الأخرى الأسهل إدخالاً إلى المؤسسة، كلّها عوامل من شأنها أن تزيد استياء العمال الذين قد يجدون أنفسهم ضحيّة الغبن حيث يعملون. وبالنسبة إلى أصحاب العمل، لقد ذكرنا سابقاً فوائد المفاوضة على مستوى الصناعة في مجال التدريب. أمّا آثار لامركزية التدريب على مستوى المؤسسة، فهي كبيرة ويمكنها أن تُلحق الضرر بحركة العمل والحفاظ عليه.
ومهما كان مستقبل المفاوضة الجماعية ومستوياتها، لا بدّ من التشديد على أنّ المفاوضة الجماعية بين أصحاب العمل والعمال من أجل تحديد الأجور وظروف العمل الأخرى لن تبقى أكثر الطرق فعاليةً وترشيداً وعملانيةً للتوصّل إلى اتفاقٍ حول هذه الشؤون وحسب، بل أيضاً أكثر الطرق حضاريةً لإدارة علاقات العمل. والأدلّة كثيرة على أنّ الشركات (كبيرةً كانت أم صغيرة، وطنيّةً أو متعدّدة الجنسيّات) التي تتّبع عملية المفاوضة الجماعية مع ممثّلي منظمات العمال إنّما تنعم بمستوياتٍ أعلى من السلام الصناعي والاستقرار والإنتاجية، مقارنةً مع تلك التي لا تعتمد هذه الطريقة. ومن الواضح أيضاًَ أنّه حيثما ضعُفت حركة النقابات العمالية وتضاءلت وتيرة المفاوضة الجماعية، حيثما حصل ارتفاع في تفاوت الدخل، وفي عددٍ من الحالات، تعرّضَ العمال للاستغلال.
8- المشاورات على المستوى الوطني
لطالما كانت الهيئات الثلاثية الوطنية تمثل الآليات التقليدية للحوار الاجتماعي والتوافق في معظم بلدان أوروبا الغربية. كما يمكننا العثور على أمثلةٍ أخرى على الآليات الثلاثية الوطنية في مناطق أخرى من العالم، كأميركا اللاتينية وآسيا وغيرها، غير ان شكل هذه التدابير ومداها يختلف من مكانٍ إلى آخر. ونجد أيضاً تنوعاً كبيراً في النظم، فبعضها نظاميّ والبعض الآخر غير نظاميّ، ولبعضها صلاحيات محدودة بينما يلعب قسم آخر منها دوراً أوسع في المسائل الاجتماعية والاقتصادية.
وخلال الانكماش الاقتصادي في بداية التسعينيّات، ابتكرت بلدان كثيرة في الغرب أشكالاً متنوّعةً من التعاون الثلاثي، وذلك بحثاً عن حلولٍ وطنيةٍ للمشاكل الاقتصادية وعن سبلٍ لخفض التوتّر الاجتماعي الناتج عن البطالة. وكجزءٍ من جهود العمال لمكافحة الفائض والحماية من البطالة، اختار العمال في عددٍ من البلدان الصناعية خفضاً إرادياً للمداخيل عبر اتفاقات وطنية ثلاثية. ولعلّ أحد أبرز الأمثلة الاتفاقية الإيطالية الوطنية للعام 1993 التي قرّرت إلغاء نظام المؤشّر المتحرك للأجر الذي كان يغطّي اتفاقات الأجور السابقة. وعليه، فإنّ عدداً من اتفاقات المفاوضة الجماعية الوطنية التي تمّ التوصّل إليها في البلدان الاسكندنافية وفي أوروبا الغربية في العامَين 1992 و1993 التزمت هذا النمط. كما شهدنا مزيداً من الأمثلة المشابهة والحديثة على اتفاقات وطنية للأجور في ألمانيا. وفي البلدان الاسكندنافية أيضاً، عقدت بعض البلدان "اتفاقات أساسية" تغطّي مجموعةً من القواعد والإجراءات التي يجب الالتزام بها في علاقات العمل. وبالإضافة إلى تحديد الإجراءات للمفاوضة الجماعية وآلية فضّ النزاعات، تؤسّس هذه الاتفاقات هيكلية لعلاقات العمل تتضمّن تمثيلاً للعمال عبر ممثّلين نقابيّين أو مجالس نقابية. وفي بلدان أخرى، تحصل المشاورات الوطنية الثلاثية في إطار هيئاتٍ يتمّ إنشاؤها لهذا الغرض تحديداً (مثل المجالس الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا وهولندا).
وفي أميركا اللاتينية، سلّطت المناقشات التي حصلت في السنوات الأخيرة على التكييف الهيكلي والاستخدام، الضوء على الأهمّية القصوى لـ"المفاوضة الجماعية"، أو النقاش الثلاثي، وذلك من أجل تأمين استمرارية البرامج الإصلاحيّة وعدالتها. ويبدو بشكلٍ عامّ أنّ حكومات المنطقة تفهم أنّ التزام الشركاء الاجتماعيّين ومشاركتهم إنّما هي أساسيّة لنجاح أيّة إصلاحاتٍ هيكليّة. وفي الثقافة القانونية للسياسات والعلاقات الصناعيّة في أميركا اللاتينية، لا يزال دور الدولة مهماً ومن الأرجح أنّه سيبقى بهذه الأهمية. وبالإضافة إلى تطوير مفهوم علاقات المفاوضة الجماعية الثنائية والجماعية، فإنّ مفهوم الحوار الاجتماعي الذي يقود إلى تركيز في صفوف الشركاء الاجتماعيين والحكومة بشان أمور اجتماعية واقتصادية أشمل قد أصبح أكثر تواتراً، خصوصاً في بلدانٍ مثل المكسيك وفنزويلا والتشيلي حيث تمّ استخدام هذا النوع من الآليات بنجاح. وفي المكسيك، على سبيل المثال، تمّ في العام 1989 تأسيس المجلس الوطني للتعاون الاقتصادي الذي يركّز على التعاون المؤسسي والاستراتيجيات البعيدة الأمد. وفي الأرجنتين، يلعب المجلس الثلاثي الوطني للاستخدام والإنتاجية والحدّ الأدنى للأجور وتعديل الأجور (1992) دوراً في تثبيت الحدّ الأدنى للأجر وتحديد تقديمات البطالة، كما يرفع التوصيات حول الاستخدام والتدريب المهني والإنتاجية. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ العلاقات الثلاثية حقّقت نجاحاً أكبر عندما كانت النقابات العمالية أقوى.
أمّا في القارّة الأفريقية، فالأمثلة على الهيئات الثلاثية التي تسير كما يجب قليلة، غير أنّه يجدر التوقّف عند مجلس جنوب أفريقيا الوطني للتنمية الاقتصادية والعمل (NEDLAC)، وهو هيئة قانونيّة مستقلّة عن الحكومة. وبالإضافة إلى الشركاء التقليديّين للحكومة والعمال وأصحاب العمل، تضمّ هذه الهيئة أيضاً ممثّلي عددٍ من المجموعات الأخرى في المجتمع المدني، علماً أنّهم جميعاً يتقاسمون هدفاً مشتركاً يتمثّل بتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة في البلاد. ورغم القيود الكثيرة المفروضة على الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية في البلدان الإفريقية، فقد تطوّرت على مرّ السنوات النقابات العمالية ومنظمات أصحاب العمل والمفاوضة الجماعية وحتّى المشاركة المحدودة في صنع السياسات الوطنية الاجتماعية والاقتصادية، كما أصبح الشركاء الاجتماعيون مدركين تمام الإدراك للدور الذي يتعيّن عليهم تأديته في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لبلدانهم. وقد برز التأكيد على التزامهم مبدأ الثلاثيّة كأساسٍ للحوار الاجتماعي في النتائج التي توصّل إليها المؤتمر الإقليمي الثلاثي رفيع المستوى حول الحوار الاجتماعي الذي عُقد في أديس أبابا في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1999. وبالنسبة إلى أفريقيا وإلى مناطق أخرى، فمن المهمّ أن تقرّ الحكومات بأنّ مواجهة مشاكل إعادة هيكلة الاقتصاد وزيادة التكامل الاقتصادي بنجاح لن تتحقّق إلاّ إذا كانت منظمات العمال وأصحاب العمل قويةً ومستقلة ولها دور فعال في عملية صنع السياسات.
وفي منطقة جنوب شرق آسيا، تَرافقَ الحرص على جذب الاستثمارات الخارجية المباشرة وتطوير الصناعة نحو التصدير مع أنظمة علاقات عملٍ قيدت إلى حدٍّ بعيدٍ حقّ التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية. إلا إنّ تنوّع الأنظمة السياسية والاقتصادية في المنطقة يصعّب مجدّداً التعميم، ولكن يمكن القول إنّ المنطقة لم تكن نموذجاً للتفاعل التعاوني بين الدولة والشركاء الاجتماعيين. ولقد تحدثنا سابقاً عن اثر ضعف مبدأ الثلاثيّة والمؤسسات الاجتماعية في بلدان المنطقة عندما واجهتها أزمة مالية واقتصادية في العام 1997. غير أنّ الأزمة وآثارها قد خلقت فرصاً لتقوية الحوار الاجتماعي على المستوى الوطني، كما تمّ اعتماد عددٍ من المبادرات المفيدة لمواجهة المسائل الاجتماعية ومسائل العمل الخطيرة التي نتجت مباشرةً عن الأزمة. وقد تمّ التوصّل إلى اتفاقاتٍ اجتماعيةٍ ثلاثيةٍ في جمهورية كوريا وجزر الفيليبين في العام 1998، وتمّ إنشاء الهيئات الثلاثية لخفض النفقات في كلٍّ من سنغافورة وتايلاند وماليزيا. إلى ذلك حصلت زيادة في الحوار حول الأجور والحدّ الأدنى للأجور والعلاقة بين الأجور والاستخدام. وحتّى في البلدان التي تعيش فترةً انتقاليةً كالصين وفيتنام ولاوس ومنغوليا التي تأثرّت جميعها بالأزمة ولو بدرجاتٍ متفاوتةٍ، تبرز الأدلّة على أهمية تحقيق المفاوضة الجماعية وإشراكٍ أوثق للعمال وأصحاب العمل في صنع السياسات الاقتصادية والاجتماعية وفي وضع الحلول، وذلك في سياق اقتصاد السوق الحرّ.
وبشكل عام فان الدولة هي أوّل مَن يطلق عملية الحوار الثلاثي على المستوى الوطني. وبذلك فان الدولة يمكنها أن تضمن مراعاة مطالبُ العمال في مجال الأجور وظروف العمل للسياساتِ الوطنيةَ في هذه المجالات. فالدولة عندما تسمح للعمال وأصحاب العمل بالمشاركة في صياغة السياسات الوطنية، فهي إنّما تُظهر أنّها مستعدّة للتخلّي عن صلاحيّاتها في هذه المجالات؛ أمّا العمال وأصحاب العمل، فهم يوافقون في المقابل جزئياً أن يتخلوا عن امتيازاتهم عبر قبولهم الاسترشاد بسياسة الحكومة في تحديد الأجور وظروف العمل الأخرى.
9- المستويان الإقليميّ وشبه الإقليميّ
منذ مطلع الستّينيّات، طُرح موضوع التكامل الإقليميّ وشبه الإقليميّ على بساط البحث أثناء صياغة سياسات التنميّة الاجتماعية والاقتصاديّة. وقد اعتُبر هذا التكامل، بدايةً ووسيلةً ناجعةً للاستفادة من إيجابيات الاقتصادات الكبرى وجني الفوائد الناجمة عن حماية الأسواق المحليّة. وعلى مرّ السنوات، انتقل النقاش حول إيجابيات وسلبيات الاندماج إلى مستوى آخر، فتمّ التركيز خلال التسعينيّات على الاندماج العالميّ لا الإقليميّ، وعلى مسائل رفع الضوابط عن الاقتصاد وانعكاسات تحرير التجارة، الخ.
إن الداعون إلى التكامل العالميّ ينظرون إليها كعمليّة توفر مزايا لاقتصاد اكبر حجماً ومستوياتٍ عاليةً من التخصّص، إلاّ أنّها تلغي الحاجة إلى حماية الأسواق المحلّية. ومن جهة أخرى، يخشى الناقدون أن تُضطرّ الدولة في خضمّ هذه العمليّة إلى التخلّي عن استقلاليّتها في إعداد السياسات ممّا قد يُسفر عن خسارة وظائف كثيرة وتدهور شروط العمل وانحسار التقديمات الاجتماعيّة. ولا يزال النقاش ناشطاً حول هذه المسألة. وبغضّ النظر عمّا سيفضي إليه هذا النقاش، بدأت العولمة تترك بصماتها على السياسات الاجتماعيّة والاقتصادية للأمم. وإثر هذه التطوّرات، اشتدّت الحاجة إلى الحوار الاجتماعي على الأصعدة كافة. وقد تمّ الاعتراف على الصعيدين الإقليميّ وشبه الإقليميّ بأهميّة الحوار الاجتماعيّ كوسيلةٍ ناجعةٍ لتحقيق الأهداف الاجتماعيّة والاقتصاديّة. لذا استَحدثت غالبيّة الأقاليم وشبه الأقاليم آليّاتٍ مؤسّسيّةً للحوار الاجتماعيّ. وقد حقّقت هذه الآليّات درجاتٍ متفاوتةً من النجاح، ويمكنكم أن تجدوا في ما يلي بعض الأمثلة.
تاريخياً، إنّ المجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة (المعروفة اليوم باسم الاتحاد الأوروبي) التي أنشئت بموجب معاهدة روما في العام 1957 ودخلت حيّز التنفيذ سنة 1958، هي أقدم الهيئات وربّما أكثرها تقدّماً في مجال التكامل الإقليمي حيث نجد إطاراً مُتقناً للحوار الاجتماعيّ. ويضمّ الاتحاد الأوروبي حالياً 15 دولةً عضواً. وكانت معاهدة روما قد نصّت على تشكيل لجنة اقتصاديّة واجتماعيّة مع ممثّلين "عن مختلف فئات الأنشطة الاقتصاديّة والاجتماعيّة" أي أنّها لم تشتمل على ممثلين عن نقابات العمّال ومنظّمات أصحاب العمل وحسب، بل أيضاً على ممثّلين عن مصالح المزارعين والتجّار والحرفيّين والمستهلكين. وقد جرت بين الحين والآخر إعادة النظر في دور اللجنة وتوسيعه. ووفق معاهدة ماستريشت الموقّعة سنة 1991، فإنّ أيّ اتّفاق يُبرَم بين الإدارة والعمّال على صعيد المجتمع المحلّي يجوز تطبيقه مباشرةً على نطاق الاتحاد الأوروبي بموجب قرار من المجلس. أمّا أبرز الشركاء الاجتماعيّين في هذه اللجنة، فهم اتّحاد أصحاب العمل (UNICE)، والاتّحاد الأوروبي للنقابات (ETUC)، واتّحاد القطاع العام "السييب" (CEEP). وفي العام 1994، اعتُمد توجيه إداريّ يقضي بإنشاء مجالس عمل في الشركات الأوروبيّة. ويركز هذا التوجيه الإداري الذي يشمل جميع المؤسسات التي لا يقل عدد عمالها عن ألف موظّف في أوروبا و 300 موظّف في أي دولتين اعضاء، على التشاور وتبادل المعلومات والحوار. وبالتالي لعب الشركاء الاجتماعيّون دوراً استشاريّاً له أهميّة متعاظمة في عمليّة رسم سياسات الاتحاد الأوروبي. وآخر مثال على ذلك كان مؤتمر الشركاء الاجتماعيّين الذي نظّمته المفوّضيّة بمبادرة من الاتّحاد الأوروبي للنقابات في وارسو في شهر آذار/مارس 1999 حول مسألة توسيع الاتحاد.
وفي أميركا الشماليّة، بدأ التكامل شبه الإقليميّ بتوقيع اتّفاقٍ كان ثمرة مفاوضات طويلة وعُرف باسم "النافتا" (NAFTA) أي اتفاق التبادل الحرّ لشمال أميركا، وقد وقّعت عليه كلّ من كندا والمكسيك والولايات المتّحدة في مطلع العام 1994. وفي السنة نفسها، اُبرم اتفاقٌ ذو صلة باتّفاق النافتا والمعروف باتّفاق أميركا الشماليّة حول التعاون في مجال العمل (NAALC) بين المكسيك والولايات المتّحدة وتبعتهما كندا لاحقاً بُعيد حصولها على موافقة المقاطعات. ويرفض هذا الاتّفاق فكرة انسجام قوانين العمل بعضها مع بعض في الدول الثلاث بيد أنّه يلحظ بنداً يقضي بوجوب تأمين شروط عمل جيدة. كما تَشكَّلت بموجب هذا الاتّفاق لجنةٌ وزاريّةٌ للتعاون في شؤون العمل، ولجان وطنيّة استشاريّة لتقديم النصح في ما يتعلّق بتطبيقه. وتتألّف اللجنة الأميركيّة من اثني عشر عضواً من أوساط الأعمال والعمّال والجامعيّين موزّعين بالتساوي. وتضمّ اللجنة المكسيكيّة ثمانية أعضاء، خمسة منهم يمثّلون العمّال وثلاثة أصحاب العمل. أمّا اللجنة الكنديّة، فتعدّ عشرة أعضاء يمثّلون الحكومة والعمّال وأصحاب العمل والجامعيّين والمنظّمات غير الحكوميّة.
وتضمّ السوق المشتركة لبلدان أميركا اللاتينيّة الجنوبيّة (MERCOSUR) كلاً من الأرجنتين والبرازيل والباراغواي والأوروغواي وكانت قد تأسّست في العام 1991. وأصبح كلّ من بوليفيا وتشيلي عضواً منتسباً إلى معاهدة التكامل الاقتصاديّ المذكورة أعلاه سنة 1996. وفي نهاية العام 1998، اعتُمد إعلان "المارك وسور" حول الشؤون الاجتماعيّة وشؤون العمل. وقد شدّد الإعلان على أنّ الحقوق الاجتماعيّة وحقوق العمل جزء لا يتجزّأ من السوق المشتركة، كما قضى بإنشاء لجنة ثلاثيّة للشؤون الاجتماعيّة وشؤون العمل تسهر على حسن تطبيقها. ويفرض الإعلان على الدول الأعضاء استحداث آليّات دائمة للحوار الاجتماعيّ مع منظّمات العمّال وأصحاب العمل على الصعيدين الوطني وشبه الإقليمي بهدف تعزيز التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
وعلى غرار ما حصل بين الدول الأميركيّة، فإنّ عدداً من البلدان الآسيويّة بما فيها إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة والفيليبين وتايلاند، قد أنشأ رابطة دول جنوب شرقي آسيا (ASEAN) في العام 1967 بهدف تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لأغراضٍ سلميّة. وفي العام 1992، أُبرم اتّفاق إطار لإنشاء منطقة التجارة الحرّة "أفتا" التابعة للمنظّمة. وقد شكّلت النقابات العمّاليّة في المنطقة مجلساً نقابيّاً إقليميّاً مُنح وضع المراقِب في "الأفتا".
وتُشكّل مجموعة الكاريبي وسوقها المشتركة (CARICOM) مثالاً آخر على التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يضمّ حالياً 15 دولة كاريبيّة (أنتيغا وباربودا، جزر البهاماس، باربادوس، بيليز، جمهوريّة الدومينيك، غرينادا، غويانا، هايتي، جامايكا، مونتسرات، سانت كيتس ونيفس، سانت لوسيا، سانت فنسانت، غرينادين، سورينام، ترينيداد وتوباغو). وأبصرت كاريكوم النور بموجب معاهدة وقّعَت في العام 1973 من أجل تحقيق أهداف رئيسيّة ثلاثة منها التكامل الاقتصاديّ القائم على سوق إقليميّة مشتركة، والتعاون العملاني في حقولٍ كالثقافة والتربية والصحّة وعلاقات العمل. وفي العام 1993، أنشأت اللجنة الدائمة لوزراء العمل في دول الكاريكوم فريقَ عملٍ إقليميّاً ثلاثيّاً يضمّ ممثليّ الدول الأعضاء ومؤتمر الكاريبي للعمال والاتّحاد الكاريبي لأصحاب العمل فضلاً عن منظّمة الدول الكاريبي الشرقيّة، وذلك لإعداد إعلان مبادئ العمل والعلاقات الصناعيّة، مع مراعاة معايير العمل الدوليّة. وقد تمّ التصديق على الإعلان ودخل حيّز التنفيذ في العام 1995، وهو ينصّ، من بين أمورٍ أخرى، على التعاون بين الشركاء الاجتماعيّين ويُلزم "الدول الأعضاء اتّخاذ تدابير تنسجم مع ظروفها الوطنيّة لتضمن، في إطار نظام العمل، الإدارة والتشاور والتعاون والتفاوض بين السلطات العامّة وأكثر المنظّمات تمثيلاً للعمّال وأصحاب العمل على الأصعدة المحلّية أو الوطنيّة أو الإقليميّة، وذلك بالشكل المناسب."
10- المستوى الدولي
توفر منظّمة العمل الدوليّة كما أشرنا سابقاً، منتدىً عالمياً فريداً للتشاور والنقاش الثلاثيّ. ففي هذا المنتدى تلتقي المنظّمات الوطنيّة والدوليّة للنقابات العمّالية والمنظّمات الوطنيّة والدوليّة لأصحاب العمل بممثّلي الحكومات من 174 دولة عضواً لصياغة معايير العمل الدوليّة ولتحقيق الأهداف التي نصّ عليها دستور المنظّمة، وذلك عبر مختلف وسائل العمل الموضوعة في تصرّفها. وفضلاً عن هيكليّتها وبرامجها وأنشطتها التي ترتكز كلّها على البنية الثلاثيّة، فإنّ منظّمة العمل الدوليّة قد بذلت جهوداً جبّارةً لنشر المقاربة الثلاثيّة للتنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة في منظّمات دوليّة أخرى. وتحقيقاً لهذا الغرض، اعتمدَت نظام تمثيلٍ متبادلٍ في الاجتماعات الكبرى لمنظّمة الأمم المتّحدة ووكالاتها المتخصّصة.
وفي السنوات الأخيرة، أولَت منظّمة العمل الدولية اهتماماً خاصاً بتعزيز المقاربة الثلاثيّة في صياغة السياسات مع المؤسّسات الماليّة الدوليّة. وعلى سبيل المثال، أطلقت المنظّمة في العام 1987 حواراً مع مؤسّسات بريتون وودز. وقد شارك البنك الدولي وصندوق النقد الدوليّ في الاجتماع رفيع المستوى حول الاستخدام والتكييف الهيكلي مع ممثّلين عن الحكومات والعمال وأصحاب العمل من أعضاء في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية. ومؤخّراً، أظهرت مؤسّسات بريتون وودز قبولاً أكبر للحاجة إلى إشراك الشركاء الاجتماعيّين في برامج التكييف الهيكلي ونجاحة مثل هذه المشاركة، ولذا هي تزيد من تشديدها على أنّ برامج الإصلاح المستدام تتطلّب دعما من العمال وأصحاب العمل.
وتعمل منظمة العمل الدولية منذ فترةٍ على تعزيز الحوار الاجتماعي بهدف التأكّد من أنّ عمليّة العولمة وتحرير التجارة والاستثمار ستراعي الحاجة إلى ضمان عملٍ لائق. وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأنّ القمّة العالميّة للتنمية الاجتماعيّة التي انعقدت في كوبنهاغن في العام 1995 حدّدت حقوق العمّال الأساسيّة، وأكّدت على أهمّيتها في إطار التغيّيرات السريعة التي يشهدها العالم. كما تسعى منظمة التجارة الدولية إلى تحقيق الحوار الاجتماعيّ، ففي مؤتمر سنغافورة في العام 1996، شدّدت هذه المنظّمة على الدور الذي تلعبه منظّمة العمل الدوليّة في التعامل مع معايير العمل الأساسيّة.
ومنذ فترة طويلة، يتمّ تعزيز شكلٍ ناشطٍ من الحوار الاجتماعيّ عبر الحركات الدوليّة لنقابات العمّال، سيّما الاتّحاد الدولي للنقابات الحرّة والأمانات المهنية الدوليّة المنتسبة إليه. وقد نجحت هذه الأمانات الدوليّة أحياناً بإبرام اتّفاقات جماعيّة ومدوّنات سلوك مع الشركات العالميّة التي تتعامل معها. ومثالاً على ذلك نذكر اتّفاق 1994 بين الاتحاد الدولي لعمال الأغذية والزراعة والفنادق والمطاعم (IUF) وشركة "دانون" للأغذية ومقرّها فرنسا. وقد تمحور الاتّفاق حول حقوق نقابات العمّال وفرص التدريب. كما نذكر اتّفاق العام 1998 بين الاتّحاد الدولي لنقابات العمال الكيماويّين وعمال الطاقة والمناجم (ICEM) والمجلس العالميّ للكلورين(World Chlorine Council) في مونتريال. وقد شمل هذا الاتّفاق في ما شمل دور وشرعية الحقوق النقابية، والحاجة إلى نسج علاقات حسن نيّة بين العمّال والإدارة. أمّا في حالة أصحاب العمل والعمال في التجارة وقطاع النسيج والألبسة وصناعة الأحذية في الاتّحاد الأوروبيّ، فقد استندت مدوّنة السلوك إلى الاتّفاقيّات الأساسيّة لمنظّمة العمل الدوليّة. ونضرب مثالاً آخر على ذلك هو الاتّحاد الدوليّ للموظّفين التجاريّين وموظّفي المكاتب والمهنيّين والتقنيّين (FIET) الذي أفاد في العام 1997 بأنّه يخوض مفاوضات لإنشاء مجالس عمل في أكثر من 100 شركة متعدّدة الجنسيّات تعمل في الاتّحاد الأوروبي، كما صرّح أنّ بعض هذه الاتّفاقيات قد وقّع.
11- منظمة العمل الدولية وتعزيز الحوار الاجتماعي
حاولنا حتّى الآن، أقلّه وِفق المصطلحات الحالية لمنظمة العمل الدولية، تحديد مفهوم الحوار الاجتماعي، والشروط الأساسيّة للإفادة من عملية الحوار بفعالية، والعوائق التي قد تواجهه، والتدابير المؤسّسيّة الضروريّة إذا ما أردنا أن يكون هذا الحوار مفيداً لجميع الأطراف المعنيّة. وقد شكّل مفهوم الثلاثيّة حجر أساس منظّمة العمل الدوليّة منذ نشأتها في العام 1919 ولا تزال المنظّمة مقتنعة بأنّ تجارب الأمم التي اعتمدت الإجراءات الثلاثيّة قد أظهرت جليّاً فوائد اقتصاديّة واجتماعيّة جمّة ناجمة عن التفاعل البنّاء بين الدولة وأصحاب العمل والعمّال. كما أنّ منظّمة العمل الدوليّة على يقين أنّ غياب التدابير الثلاثيّة أو ضعفها سينعكس سلباً على أيّ مجتمع، وذلك على صعيد الأداء الاقتصاديّ والاستقرار الاجتماعيّ على حدٍّ سواء.
وعلى ضوء هذه المفاهيم، قامت منظّمة العمل الدوليّة على مرّ السنوات بصياغة واعتماد عددٍ كبير من معايير العمل الدوليّة في المقاربات والسياسات بهدف تعزيز الحقوق والآليّات الضروريّة لضمان حوارٍ مُجدٍ ومفيدٍ بين الشركاء الاجتماعيّين أنفسهم، وبينهم وبين الدولة. وتشكّل صياغة هذه الصكوك الدوليّة واعتمادها مَثَلين مهمّين على الحوار الثلاثيّ الحقيقيّ على الصعيد الدوليّ. وتعتمد منظّمة العمل الدوليّة عادةً الصكوك والاتّفاقيّات بعد سنوات طويلة من العمل التحضيري الذي يقوم به المكتب، وإثر نقاشات ثلاثيّة في مجلس الإدارة، وعقب سنتَين من النقاش الثلاثيّ المكثّف في المؤتمر. وبالتالي تحوي هذه الصكوك ضمانات واسعة لحماية العامل في المجال المعني، وتُلزِم الحكومات التي تصدّق عليها بالخضوع لبعض القوانين التي اعتبرتها مقبولة من الجميع. ويحرص أصحاب العمل من جهتهم على أن تتمّ مراعاة شتّى العوامل الاقتصاديّة التي تشملها هذا الموجبات أثناء نقاشات المؤتمر. ونتيجةً ذلك، ما من طرف مشارك في صياغة الصكوك راضٍ تماماً عن النتيجة النهائيّة. غير أنّ صيغة هذه الصكوك واعتمادها خير مثال على المداولات الثلاثيّة على المستوى الدولي، علماً أنّها تجري في جوّ من التوافق والنيّة الحسَنة، وينتج عنها اعتماد صكوك تلحظ موجبات حازمة لكنّها في الوقت نفسه مرنة بما فيه الكفاية بحيث تتقبّلها غالبيّة الدول.
ويتمثّل الشرط الأساسيّ لأيّ نظام علاقات صناعيّة بالحقوقّ والحريات التي يجب أن يتمتّع بهما أصحاب العمل والعمّال لإنشاء المنظّمات والانضمام إليها بملء إرادتهم بهدف حماية مصالحهم والدفاع عنها. ويحتاج العمال وأصحاب العمل إلى منظّماتٍ قويّةٍ تتمتّع بصفةٍ تمثيليّةٍ وتكون وسيلةً تسمح لهم بالمشاركة في التنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة لبلدانهم. وتشكّل هذه المنظّمات أيضاً حجر الأساس لنظام علاقات صناعيّة مستقرّة. وبالتالي، وفي هذا السياق، تكتسب الحريّة النقابيّة وحماية حق التنظيم النقابيّ والمفاوضة الجماعيّة أهميةً خاصةً بصفتها عناصر أساسيّة من حقوق الإنسان.
وبعد مرور أكثر من خمسين سنةً على اعتماد منظمة العمل الدولية اثنتين من أشهر الاتّفاقيّات وأهمّها إذ لم تفقدا من صحّتهما ووثاقة صلتهما بمشاكل العصر ولا تزالان تشكّلان المبدأ الأساسيّ لنظام علاقات صناعيّة صالحة ومستدامة. وهاتان الاتّفاقيّتان هما اتّفاقيّة الحرّية النقابيّة وحماية حقّ التنظيم، 1948 (رقم 87)، واتّفاقيّة حقّ التنظيم والمفاوضة الجماعيّة، 1949 (رقم 98). وحتّى الأوّل من كانون الثاني/يناير2000، كانت 127 دولة عضو قد صدّقت على الاتّفاقيّة رقم 87، بينما صدّق ما لا يقلّ عن 145 دولة عضو على الاتّفاقيّة رقم 98. ورغم أنّهما من أكثر الاتّفاقيّات تصديقاً، إلاّ أنّهما ليستا دائماً موضع احترام، وقد وُضعَت إجراءات خاصة للشكاوى حول التعامل مع الانتهاكات المزعومة لمبدأ الحريّة النقابيّة نظراً إلى أهمّيتها القصوى بالنسبة إلى علاقات العمل والسير الفعّال للحوار الاجتماعيّ.
وهاتان الاتّفاقيّتان من الاتّفاقيّات السبع الأساسيّة الملحوظة في إعلان المبادئ والحقوق الأساسيّة في العمل الذي اعتمده المؤتمر سنة 1998. ويُعتبَر الإعلان الذي يشمل أيضاً اتّفاقيّات أساسيّة أخرى تتعلّق بالعمل الجبري وعمل الأطفال والتمييز بين الجنسين، صكاً يسعى إلى إرساء القواعد الاجتماعيّة الأساسيّة العالمية التي اعترف بها المجتمع الدولي أوّلاً في القمّة الاجتماعيّة في كوبنهاغن في العام 1995، ولاحقاً في المؤتمر الوزاريّ لمنظّمة التجارة العالميّة في سنغافورة في العام 1996. وقد كان الالتزام الذي قامت به الدول الأعضاء في منظّمة العمل الدوليّة في العام 1998 لاحترام المبادئ الملحوظة في الاتّفاقيات ذات الصلة اعترافاً بأنّ عمليّة العولمة تُسفر عن مزيدٍ من التفاوت داخل البلدان وفي ما بينها، وبأنّ احترام هذه المبادئ كان سيحدّ من التفاوتات الاقتصاديّة والاجتماعيّة السائدة. وقد عُلّقت أهمّية خاصة على هذا الإعلان وإجراءات متابعته التي بدأ العمل بها للمرّة الأولى هذه السنة مع تقديم الدول الأعضاء تقريرَين حول اتّفاقيتَي الحريّة النقابيّة ودراستها ومناقشتها في مجلس الإدارة وفي المؤتمر. وستتمّ الإشارة إلى هذه النقاشات في إطار الحديث عن البلدان المعنيّة بهذه الندوة الإقليميّة.
ويرتبط عدد من المعايير بشكل خاص بالحوار الاجتماعيّ على غرار توصيّة المشاورات (على المستويَين الصناعي والوطني)، 1960 (رقم 113)، واتّفاقيّة المشاورات الثلاثيّة (معايير العمل الدوليّة)، 1976 (رقم 144)، والتوصيّة المُرفقة بها حول المشاورات الثلاثيّة (أنشطة منظّمة العمل الدوليّة)، 1976 (رقم 152)، واتّفاقيّة إدارة العمل، 1978 (رقم 150)، والتوصية المُرفقة بها، 1978 (رقم 158). وعلى سبيل المثال، تنصّ التوصية رقم 113 على أنّه "لا بدّ من اتّخاذ التدابير الملائمة للظروف الوطنيّة لتعزيز التشاور والتعاون الفعّالين على المستويَين الوطني والصناعي بين السلطات العامّة ومنظّمات أصحاب العمل والعمّال، وأيضاً بين هذه المنظّمات بهدف... تعزيز التفاهم المتبادل والعلاقات الحسنة... من أجل تنمية الاقتصاد برمّته أو القطاعات الفرعيّة، فتتحسّن بذلك شروط العمل وترتفع مستويات المعيشة" (الفقرة الأولى).
هذه بعض الأمثلة التي تبيّن كيف سعت منظّمة العمل الدوليّة من خلال إجراءاتها التشريعيّة إلى تحديد وتعزيز المبادئ التي تشكّل أرضيّة الحوار الاجتماعيّ. ولكن إن أردنا جني فوائد هذا الحوار، لا بدّ من وضع هذه المبادئ حيّز التنفيذ عبر قوانين وممارسات تضمن الشروط المؤاتية لإجراء الحوار. وهذا يعني أنّه يجدر أن تؤمّن الحكومات نظاماً حرّاً وديموقراطياً حيث يُمكن أن تتفاوض منظّمات حرّة ومستقلّة وكفوءة للعمّال وأصحاب العمل بشكل حرّ. كما يجدر بالدولة أن تؤمّن إطاراً قانونيّاً يتمّ التفاوض في ظلّه، وخلق مناخ تحترم فيه كلّ الأطراف نتائج الحوار احتراماً كاملا.ً وقد يكون للبلدان على تنوّع تاريخها وتقاليدها وثقافاتها أساليب مختلفة لوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ. ولكن لا بدّ من أن يكون واضحاً أنّه لا يجوز تعديل المبادئ بحدّ ذاتها. فعدا عن كون هذه المبادئ مكرّسة في دستور منظّمة العمل الدوليّة وفي الاتّفاقيّات وفي إعلان المبادئ والحقوق الأساسيّة في العمل، كانت أيضاً مقبولة من الجميع بما أنّها تُطبّق على جميع الدول الأعضاء في المنظّمة.
وقد تمّ التأكيد مجدّداً على كلّ المبادئ الواردة في الصكوك المذكورة آنفاً في خلال مؤتمر العمل الدوليّ في العام 1996 إثر مناقشة عامّة حول موضوع التشاور الثلاثيّ على الصعيد الوطني بشأن السياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وقد أسفر المؤتمر عن اعتماد سلسلة من الاستنتاجات بالإجماع من المفيد التذكير بها هنا.
وتجدر الإشارة إلى أنّ لجنة المؤتمر التي شُكّلت للنظر في المسألة اعترفت بأنّ الحالة الاقتصاديّة المتأزّمة والعولمة وإضفاء المرونة على أساليب الإنتاج وتنويع سوق العمل جعلت التعاون الثلاثي أكثر صعوبة. وقد نشأت بيئة عامة غير مؤاتية للتعاون الثلاثيّ، فالتنازلات المقدّمة للنقابات العمالية مقابل تضحيات اعتُبرت غير مناسبة بشكل متزايد. إلى ذلك ضعفت قدرة منظّمات العمّال وأصحاب العمل كأطراف في التعاون الثلاثي، وأنّ عدداً متعاظماً من القرارات يُتّخذ الآن على مستوى المؤسسات نتيجة التوجّه المستمرّ نحو لامركزيّة المفاوضة الجماعيّة.
ويبدو أنّ مستقبل التعاون الثلاثيّ كوسيلة لتحقيق توازن عادل بين المقتضيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة منوطٌ بوجود إرادة سياسيّة لتحقيق هذا الهدف. وحول هذه النقطة، ذكّرت لجنة المؤتمر أنّ هذه الإرادة السياسيّة قد أكّدت عليها مجدّداً في السنة الفائتة جميع البلدان المشاركة في القمّة الاجتماعيّة في كوبنهاغن، والتي جرى فيها التشديد على أنّ التقدّم الاجتماعيّ لن يتحقّق بواسطة التفاعل الحرّ لآليّات السوق وحسب، فلا بدّ من استكمال هذه الآليّات بسياسات عامّة وبتعاون بين الدولة والشركاء الاجتماعيّين. وبعد نقاش مطوّل ومكثّف، توصّلَ المؤتمر إلى الخلاصات التالية:
- لا يمكن أن ينشأ تعاون ثلاثيّ مجدٍ وفعّال بدون اقتصاد السوق والديموقراطيّة.
- وحده التعاون الثلاثيّ يمنح فرصة تطبيق التسويات بين المقتضيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة بفعالية، وبالتالي يَسمح بتعزيز السلم الاجتماعيّ والتجانس.
- يتمثّل التحدّي الأساسيّ للتعاون الثلاثيّ بالمساهمة بشكل فعّال في حلّ المشاكل الناجمة في عددٍ من البلدان عن تفاقم المشاكل الاقتصاديّة وعولمة الاقتصاد فضلاً عن تلك المتأتّية من برامج التكييف الهيكلي التي تطلّبها هذان الوضعان.
- لا بدّ من أن يكون أحد أدوار التعاون الثلاثيّ التوفيق بين مقتضيات العدالة الاجتماعيّة ومقتضيات تنافسيّة المؤسسات والتنمية الاقتصاديّة. كما ينبغي ألاّ يغيب عنّا أنّه لا يجدر اللجوء إلى التشاور الثلاثيّ في حالات ترديّ الوضع الاقتصادي وحسب، بل أيضاً في فترات ازدهاره.
كما شدّد المؤتمر على الحاجة إلى احترام حقّ التنظيم النقابي والحاجة إلى منظّمات حرّة ومستقلّة ومسؤولة وقابلة للمساءلة ولها صفة تمثيليّة للعمّال وأصحاب العمل. وخلُص المؤتمر أيضاً إلى أنّ منظّمة العمل الدوليّة ينبغي أن تقوم بالخطوات اللازمة لتعزيز التشاور الثلاثيّ على المستوى الوطنيّ أو أيّ مستوى آخر مناسب.
واستجابةً للخلاصات المذكورة أعلاه، كثّفت منظّمة العمل الدوليّة برامج أنشطتها، وسعَت من خلال برامجها التقنيّة على المستويَين الإقليمي والوطني إلى القيام بالخطوات الضروريّة لتعزيز المفهوم وتحسين القدرات المؤسّساتيّة اللازمة لجعله فعّالاً. وقد نفّذت منظّمة العمل الدوليّة وأقسامها التقنيّة وفرقها المتعدّدة الاختصاصات برامج وأنشطة في مجالات أساسيّة ثلاثة:
- إسداء المشورة لصياغة السياسات المتعلّقة بالإطار التشريعي الضروريّ للحوار الاجتماعي؛
- تدعيم عمليّات الحوار من خلال بناء المؤسّسات؛
- تقديم المساعدة في دفق المعلومات وتحديد مضمون الحوار.
وفي مناطق كثيرة من العالم، التمست الدول الأعضاء من منظّمة العمل الدوليّة المشورة الفنّية خلال رسم سياسات العمل في بلادها، وذلك ليس فقط للتأكّد من احترامها لمعايير منظّمة العمل الدوليّة، ولكن أيضاً حرصاً على فعاليّة أنظمة علاقات العمل. كما طلبت منظّمات العمّال وأصحاب العمل من منظّمة العمل الدوليّة المساعدة في صياغة اقتراحاتها لإجراء إصلاح تشريعيّ ولإعطاء رأيها في بعض الاقتراحات المُنجزة. وفي بعض البلدان حيث الاقتصاد موجَّه ومركزيّ، تمثّل التحدّي بتكييف قوانين العمل حتّى تلائم مقتضيات اقتصاد السوق. وقد انعقدت اجتماعات وندوات كثيرة حول تطوير الثلاثيّة والتعاون الثلاثيّ وحول العمل الميدانيّ الذي يستوجب تبادلاً مهمّاً بين الأطراف الثلاثة حول كيفيّة تعزيز هذا المفهوم. وقدّمت الندوات لهذه الأطراف فرصة تبادل وجهات النظر والمعلومات بشأن أفضل الوسائل لتعزيز الوظائف الثلاثيّة وتحسينها. وقد اشتمل التدريب على تقنيّات المفاوضة الجماعيّة وطرق إجرائها، كما قُدّمت موادّ التدريب الأساسيّة على شكل كُتيّبات لتحسين المهارات التفاوضيّة والتعاون في مكان العمل وتطوير إجراءات التوفيق وفضّ النزاعات.
غير أنّ بناء حوار اجتماعيّ فعّال لا يستتبع فقط تركيزاً على العلاقة المشتركة بين الأطراف، بل أيضاً على الجهد الضروريّ لتدعيم المنظّمات الفردية. وقد نشط ممثّلو العمّال وأصحاب العمل في منظّمة العمل الدوليّة في مجال بناء القدرات الإجرائيّة (مثلاً عبر التدريب لتحسين المهارات التفاوضيّة)، كما نشطوا في المسائل الواقعية عبر التدريب لتحديد الأجور بشكل عام أو وفق الأداء. وتمثّل أحد أهمّ مجالات المساعدة في وضع إجراءات فضّ النزاعات بحيث أعدت المشاريع التقنيّة لتطوير الأنظمة الموجودة أو تحسينها. وقد كان تدعيم خدمات التوفيق وتفتيش أماكن العمل وقدرة محاكم العمل الإداريّة من أهمّ مطالب الدول الأعضاء المهتمّة بتحسين علاقاتها في العمل. وغالباً ما ترافق ذلك مع تدريب المسؤولين عن التوفيق والمفتّشين وقضاة محاكم العمل.
كما قُدّمت المساعدة لتحديد شكل الحوار الاجتماعيّ ومضمونه. وقد تجسّد ذلك عبر اجتماعات عديدة وإسداء المشورة حول السياسات المتعلّقة بوقع العولمة وتحرير التجارة على أنظمة العلاقات الصناعيّة الوطنيّة، وحول سياسات الآمن الوظيفي، وطرق تحسين الإنتاجيّة، وأنظمة الأجور المرتبطة بالأداء، وبدائل تخفيضها في الأزمات الاقتصادية، فضلاً عن طرق تحديد الأجور والحدّ الأدنى منها.
وما سبق وذكرناه لَمثال على التنوّع الكبير للميادين التي يُطلب من منظّمة العمل الدوليّة تقديم المشورة والمساعدة التقنيّتين اللازمتين فيها. إن قدرة منظّمة العمل الدوليّة محدودة لكن لا بدّ من أنّ تستجيب المنظّمة في المستقبل لمطالب الأعضاء وجهودهم لتحسين أدائهم في تطبيق معايير العمل الأساسيّة وذلك عبر بذل الجهود الدؤوبة للردّ بشكل كامل وفعّال على هذه المطالب. ويفرض إعلان المبادئ والحقوق الأساسيّة في العمل على الدول الأعضاء ومنظّمة العمل الدوليّة واجب اتّخاذ التدابير الضروريّة بهدف التأكّد من أنّ المبادئ الواردة في هذا الإعلان تُطبّق بشكل فعّال. فالإعلان يُلزم منظّمة العمل الدوليّة بتقديم المساعدة التقنيّة، حين يُطلب منها ذلك، لمساعدة الدول الأعضاء على وضع وتحسين الإجراءات المؤسّساتيّة الضروريّة لحسن سير الحوار الاجتماعيّ.
12- الحوار الاجتماعيّ في البلدان العربية
في هذه الفقرة، سنحاول تحليل مدى وجود أطر قانونية وعملية لإجراء حوار اجتماعيّ فعّال في البلدان المشاركة في هذه الندوة، وسنحاول النظر في المشاكل والعوائق التي قد تقف في وجه هذا الحوار، وفي الطرق الكفيلة بمعالجة المشاكل التي تمّ تحديدها والتغلّب عليها. وسيستند هذا التحليل إلى ما فعلته الحكومات إزاء منظّمة العمل الدوليّة وهيئاتها الدستوريّة من تقديم للتقارير بموجب المادتين 19 و22 من الدستور، وبمقتضى إجراء متابعة إعلان المبادئ والحقوق الأساسيّة في العمل. وهذه الطريقة ناجعة بشكل خاص خلال السنة التي تجري فيها لجنة الخبراء حول تطبيق الاتفاقيات والتوصيات مسحاً عاماً حول تطبيق اتفاقيّة المشاورات الثلاثيّة (معايير العمل الدوليّة)، 1976 (رقم 144)، وتوصية المشاورات الثلاثيّة (أنشطة منظّمة العمل الدوليّة)، 1976 (رقم 152).
وخلال العام 2000، تقرّر تكريس أوّل تقرير عالميّ بموجب إجراءات متابعة الإعلان للحرّيات النقابيّة وللاعتراف الفعليّ بالحقّ في المفاوضة الجماعيّة. وقد قُدّم أوّل تقرير عالميّ بعنوان "صوتكَ في العمل" إلى دورة العام 2000 لمؤتمر العمل الدوليّ لدراسته. فضلاً عن ذلك، يستند هذا التحليل إلى وضع البلدان من ناحية تطبيق الاتّفاقيّات ذات الصلة التي صدّقت عليها هذه الدول، والتعليقات التي تقدّمت بها لجنة الخبراء في القوانين والممارسات في هذه البلدان. كما ستُذكر الحالات التي عالجتها مؤخّراً أو تعالجها لجنة مجلس الإدارة حول الحريّة النقابيّة.
وقد لا تكون الاستنتاجات المُستخلصة من هذا التحليل كاملة أو حتّى دقيقة بشكل تام. ويعود هذا جزئياً إلى غياب المعلومات حول العمليّة التشريعيّة في البلدان المعنيّة، أو بسبب النقص في المعلومات حول بنى الهيئات الثلاثيّة وسير عملها حيثما وُجدت. لكن حسب الاقتراحات، ستسمح الاستنتاجات على الأقل للندوة بتحديد المشاكل الأساسيّة التي تعترض الممارسة الفعليّة للحوار الاجتماعي وستخوّلها مناقشة الطرق لإزالة هذه العوائق.
ولا بدّ من التذكير أنّ الحكومات ملزَمة بموجب إجراء متابعة الإعلان بتقديم تقارير حول الاتّفاقيّات الأساسيّة الواردة في الإعلان والتي لم تصدّق عليها، بما فيه الاتّفاقيّتان رقم 87 و98 المتعلّقتان بالحرّيّة النقابيّة وبحق التنظيم النقابيّ وبالمفاوضة الجماعيّة. فهذه التقارير، بالإضافة إلى التقارير التي تقدّمها الحكومات بموجب المادة 22 من دستور منظّمة العمل الدوليّة حول الاتّفاقيّات المصدّق عليها، هي التي شكّلت قاعدة مراجعة تطبيق المبادئ المذكورة في الإعلان التي أجراها مجلس الإدارة في آذار/مارس 2000. وهذه التقارير ذاتها المحصورة بمسائل الحريّة النقابيّة وحقّ التنظيم النقابيّ والمفاوضة الجماعيّة كانت أساس التقرير العالمي "صوتكَ في العمل" الذي راجعه المؤتمر في حزيران/يونيو 2000.
ومرّة جديدة، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه ما من حوار اجتماعيّ بدون الحريّة النقابيّة كما حدّدتها الاتّفاقيّات ذات الصلة وكما فسّرت هيئاتُ المراقبة في منظّمة العمل الدوليّة هذا المفهوم خلال السنوات الخمسين المنصرمة. وقد أشارت هذه الهيئات، وفي أكثر من مناسبة، إلى أنّه حتّى لو تعدّدت الوسائل العمليّة لتطبيق الحرّية النقابيّة وفق ثقافات الدول وتقاليدها، فإنّه من غير الوارد تعديل المبادئ التي باتت اليوم محدّدة بوضوح ومطبّقة على جميع الدول الأعضاء على قدم من المساواة. لذا لا بدّ من التذكير أيضاً أنّه نظراً إلى الأهمّية الخاصة للحريّة النقابيّة والمفاوضة الجماعيّة كدعامتين للثلاثيّة والحوار الاجتماعيّ، تُعتبر هذه المبادئ قابلةً للتطبيق على جميع الدول الأعضاء بما أنّها انضمّت إلى الدستور، أكانت صدّقت أو لم تصدّق بشكل رسميّ على الاتّفاقيّات ذات الصلة.
إن الدول الثماني عشرة المشاركة في هذه الندوة قد صادقت على الاتّفاقيّتين رقم 87 و98 وسبعة فقط صدّقت على الاتّفاقيّة رقم 87، و11 دولة صدّقت على الاتّفاقيّة رقم 98. ومن الدول الإحدى عشرة التي لم تصدّق على الاتّفاقيّة 87، ما لا يقلّ عن 8 دول قدّمت تقارير بموجب إجراءات الإعلان و5 قدّمت تقارير حول الاتّفاقيّة رقم 98. ويبعث معدّل تقديم التقارير على السرور والتفاؤل نظراً إلى أنّ كثيراً من البلدان المعنيّة ساورتها شكوك كبيرة متعلّقة بالإعلان وقد امتنعت عن التصويت خلال اعتماده من المؤتمر في حزيران/يونيو 98. ولم يقدّم اثنان من البلدان المشاركة فقط تقارير بموجب إجراءات الإعلان، بما في ذلك تقارير حول اتّفاقيّات الحريّة النقابيّة. ومن جهة أخرى، لم تستخدم أيّة منظّمة عمّال أو أصحاب عمل حقّها للإدلاء بملاحظاتها بشأن الوضع في بلادها. وهذه ظاهرة مؤسفة لكنّها لا تقتصر على البلدان المشاركة. فمن بين التقارير المقدّمة، بما في ذلك التقارير التي تقدّمت بها حتّى الآن الدول التي أتمّت التصديق، ومن بين الملاحظات التي أدلت بها إحدى أهمّ المنظّمات الدوليّة للعمّال، يمكن تحديد عدد من المشاكل الأساسيّة التي تشكّل في بعض من البلدان المعنيّة عوائق أساسيّة للممارسة الحرّة للحقوق النقابية، وبالتالي لإمكانيّة الحوار الاجتماعيّ.
بدايةً، في عدد من البلدان المعنيّة، تقتصر حقوق النقابات على فئات معيّنة من العمّال وتُرفَض لفئات أخرى مثل موظّفي القطاع العام والعمّال الأجانب والخدّام في المنازل أو العمّال الزراعيين. ونظراً إلى عدد هؤلاء العمّال، سيّما أنّ العمّال الأجانب يشكلون تقريباً 40% من السكّان في دول الخليج (حوالي 11 مليون عامل بمن فيهم مليونا خادم في المنازل)، يُحرم ملايين العمّال من الحقّ الأساسيّ في التنظيم النقابيّ بغية حماية مصالحهم والدفاع عنها، علماً أنّه حقّ تضمنه الاتّفاقيّة رقم 87 "لجميع العمّال بدون أيّ تفرقة". وفي الواقع، في عدد من الدول، هؤلاء العمّال ليسوا محرومين من الحقوق النقابيّة وحسب، لكنّهم أيضاً لا يستفيدون من جميع قوانين العمل. ونتيجة ذلك، من البديهيّ أنّ هؤلاء العمّال لن يدخلوا في أي حوار اجتماعيّ ولن يمارسوا حقّهم الجماعيّ بالتفاوض حول شروط عملهم. وبالتالي، فإن إمكانيّة استغلال هذه الفئات من العمّال كبيرة وكذا هو استياؤهم من الوضع. وحتّى الآن، شهدت إحدى هذه الدول اضطرابات خطرة نتيجة البطالة في صفوف العمّال الأجانب القاطنين فيها.
كما يفرض التشريع في عدد من البلدان أنواعاً أخرى من القيود التنظيميّة على العمّال وأصحاب العمل. ففي بعض البلدان حيث التشريع يسمح بأشكال معيّنة من التنظيم النقابيّ، ولكن حيث تُعتبر النقابات الحرّة في الممارسة غير قانونيّة أو محظورة، تُقدّم شروحات مفادها أنّ غياب النقابات سببه الوضع الخاص السائد في البلاد، وعلى سبيل المثال حيث الشريعة الإسلاميّة هي بمثابة دستور للبلاد. وتشير عدّة بلدان إلى أنّه بدل النقابة أو بالإضافة إليها، لديها لجان استشاريّة مشتركة بين العمّال والإدارة يُنتخب فيها ممثلون عن العمّال وأصحاب العمل. وتكمن المشكلة هنا في الطريقة التي يُنتخب بها هؤلاء الأشخاص، وبالضغوط التي تمارسها السلطات على العمليّة الانتخابيّة والقيود المفروضة على أنشطة منظّمات العمّال. وقد درست لجنة الحرّية النقابيّة هذه المشكلة بشكل كامل عبر حالة جرت مؤخّراً في أحد البلدان المشاركة. وبرزت مشكلة تنظيميّة أخرى في بعض البلدان المشاركة حيث القانون يفرض احتكاراً لنقابة واحدة، فيمنع بذلك العمّال وأصحاب العمل من ممارسة حقّهم بتنظيم نقابة أو بالانضمام إليها "بملء إرادتهم" كما جاء في الاتّفاقيّة رقم 87. فمثل هذه الأنظمة تُلغي أيّ استقلاليّة لحركة النقابات وتضعها فعليّاً تحت سيطرة الحكومة أو الحزب الحاكم. ومن الصعب أن نتصوّر أيّ نوع من الحوار الجديّ في ظلّ هذه الظروف.
وفي بعض الحالات من الضروريّ الاستحصال على ترخيص مسبَق من الحكومة لإنشاء نقابة أو منظّمة لأصحاب العمل كما يجري التدخّل في اختيار الممثّلين وفي أنشطة أخرى سيّما في الحقّ في الإضراب. وفي بعض البلدان المشاركة، يتمّ إلقاء القبض على العمّال وسجنهم بشكل منتظم لممارستهم حقّهم الشرعيّ بالإضراب. وفي مجال المفاوضة الجماعيّة، هناك قيود عديدة بما في ذلك الحاجة إلى تصريح مسبَق من السلطات قبل أن يدخل أيّ اتّفاق جماعيّ حيّز التنفيذ. وقد يلحظ أحد أحكام القوانين أنّه لا يُعمل بأيّ اتّفاق ما لم يأخذ بعين الاعتبار مصالح الاقتصاد الوطنيّ. فضلاً عن ذلك، هناك أمثلة عن التحكيم القسريّ بدون إمكانيّة اللجوء إلى إجراءات إراديّة على غرار التوسّط والتوفيق أو حتّى التحكيم بملء إرادة الأطراف. ويضع هذا النوع من القيود حظراً فعليّاً على حقّ الإضراب. وغني عن القول أنّه في غياب النقابات أو منظّمات أصحاب العمل، لا مجال للمفاوضة الجماعيّة. وفي مثل هذه الحالات، من الصعب القول إنّ الحكومة تجهد في القيام بواجبها لتعزيز المفاوضة الحرّة والإراديّة لظروف العمل بين العمّال وأصحاب العمل.
ويمكن الاستنتاج أنّه في حين يتمتّع بعض البلدان المشاركة في هذه الندوة بالحرّية النقابيّة والمفاوضة الجماعيّة إلى حدّ معيّن، تُفرَض في بلدان أخرى قيود صارمة على هذه الحقوق. وبما أنّه من الضروريّ التمتّع بهذه الحقوق من أجل إجراء حوار اجتماعيّ فعّال، لا بدّ من إيجاد الحلول لهذه المشاكل لجعل هذا الحوار حقيقة ملموسة. فهي مشاكل خطرة لا تعني فقط العمّال وأصحاب العمل لكن تعني البلاد بأسرها. إنّ التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة منوطتان بإضفاء الطابع الديموقراطيّ على المجتمعات وبوجود المؤسّسات الديموقراطيّة مثل النقابات العمّاليّة ومنظّمات أصحاب العمل التي تشكّل بتحرّكاتها الحرّة عناصر أساسيّة في هذه العمليّة.
وكما أسلفنا القول، في دورة العام 1999 قامت لجنة الخبراء حول تطبيق الاتّفاقيّات والتوصيات بإجراء مسح عام بشأن تطبيق اتّفاقيّة المشاورات الثلاثيّة (معايير العمل الدوليّة)، 1976 (رقم 144) والتوصيات المرتبطة بها. وقد تمّ النظر في هذا المسح بشكل كامل خلال مؤتمر العمل الدوليّ للعام 2000. وفي ما يتعلّق بالبلدان المشاركة، فإنّ معدّل التصديق على هذه الاتّفاقيّة يظهر في الملحق الثاني لهذا التقرير. كما يبيّن الجدول مدى احترام الموجبات الدستوريّة القاضيّة بتقديم تقارير حول تطبيق الاتّفاقيّات والتوصيات غير المصدّق عليها. وللأسف، أربعة بلدان مشاركة فقط صدّقت على الاتّفاقيّة رقم 144 التي اعتبرها مجلس الإدارة اتّفاقيّة ذات أولويّة. غير أنّه من المشجّع أن نشير إلى أنّ 11 دولةً مشاركةً تقدّمت بتقارير حول تطبيق الاتّفاقيّة وعدد مشابه قدّم تقارير حول تطبيق التوصية. وقد يظهر ذلك اهتماماً جديداً في إطلاق الحوار أو تدعيمه، أقلّه في ما يتعلّق بمعايير منظّمة العمل الدوليّة، وربّما كشف أيضاً عن اهتمام بالحوار حول مسائل التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وقد أعربت عدّة دول عن نيّتها بتصديق الاتّفاقيّة وهي تتّخذ الخطوات الملائمة للقيام بذلك من خلال هيئاتها التشريعيّة. وتُقدّم دول أخرى أسباباً تنظيميّة وإداريّة آلت دون تصديق الاتّفاقيّة، فما كان بلجنة الخبراء إلاّ أن استجابت لاحتياجات عدد من هذه البلدان وقدّمت لها المشورة بغية تيسير عمليّة التصديق. ويبدو أنّ جميع البلدان التي صدّقت الاتّفاقيّة لديها لجان استشاريّة خاصة أو حتّى لجان وطنيّة ثلاثيّة أو أنواع أخرى من الهيئات الاستشاريّة لمراجعة المسائل الواردة في الاتّفاقيّة.
وحتّى الآن صدّق 93 بلداً على الاتّفاقيّة رقم 144. وقد أشارت لجنة الخبراء بارتياح في مسحها إلى أنّ الإجراءات الاستشاريّة بشكل أو بآخر موجودة في الغالبيّة العظمى للدول الأعضاء بما فيها تلك التي لم تصدّق على الاتّفاقيّة. كما أشارت اللجنة إلى أنّ هذه الإجراءات تشمل أكثر وأكثر مجالات أخرى من أنشطة منظّمة العمل الدوليّة. وبشكل ملحوظ باتت عدّة دول تركّز الآن على الأثر التدعيميّ للحوار الاجتماعيّ في العلاقات المتناغمة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيّين وفي عمليّة إضفاء الطابع الديموقراطيّ على الحياة العامّة. وأشارت اللجنة إلى أنّه رغم الصعوبات التي واجهها بعض البلدان في التصديق على الاتّفاقيّة، فإنّ هذه المشاكل لم تكن مرتبطة بغياب الإرادة السياسيّة بقدر ما كانت متعلّقة بالشكل الاستشاريّ الأنسب، وبمدى تمثيليّة منظّمات العمّال وأصحاب العمل، وبالمشاكل الناجمة عن الانتقال إلى التعدّدية السياسيّة واقتصاد السوق، أو بسبب موارد إداريّة وماليّة غير كافية.
ومن الواضح أنّه بالنّسبة إلى غالبيّة الدول المشاركة في هذا الاجتماع، تمثّل المشاكل المتعلّقة بالممارسة الحرّة لحقوق النقابات العمّاليّة والمفاوضة الجماعيّة التي ذُكرَت باختصار آنفاً العوائق الأساسيّة أمام تصديق الاتّفاقيّة رقم 144 وأمام ممارسة الحوار الاجتماعيّ، إذ تكتسب المسائل المتعلّقة بمعايير العمل الدوليّة أهمّية قصوى في حياة المنظّمة وأعضائها. وتحاكي ذلك أهمّيةً الحاجة إلى أن تعالج المنظّمة وأعضاؤها جميع المسائل المتعلّقة بمعايير منظّمة العمل الدوليّة على أساس ثلاثيّ. ولهذا السبب، فإنّ تصديق الاتّفاقيّة رقم 144 مهمّ. فضلاً عن ذلك، إنّ تصديق الاتّفاقيّة، إلى جانب كونه يضمن مراجعة الهيئات الثلاثيّة للمسائل المتعلّقة بالمعايير، لا بدّ من أن يُعتبر خطوة في عمليّة تعزيز التشاور الثلاثيّ في الشؤون الضروريّة للتنميّة عموماً.
13- ملاحظات ختاميّة
إن البلدان المشاركة في هذه الندوة بغالبيّتها بلدان ناميّة تواجه مشاكل اقتصاديّة ومشاكل استخدام صعبة للغاية وهي تجد صعوبة متزايدة في حلّها، إذ تجابه جميعها وضعاً عالمياً يستوجب أسواقاً مفتوحة ونفاذاً حرّاً إلى السلع والخدمات، وقدرة على التكيّف مع التغيّرات السريعة في الاقتصاد العالميّ التي تجري نتيجة التقدّم التكنولوجي ونظام التجارة الآخذ في التطوّر. ولن تكون قدرتها على مواجهة هذه التحدّيات بنجاح منوطة فقط بالإرادة السياسيّة لهذه البلدان في اعتماد نظام السوق الحرّة وفي تحريرٍ أكبر للتجارة، بل أيضاً وبشكل خاص ستكون مرتبطة بالاستراتيجيّات والبنى التي ستعتمدها لمواجهة هذه التحدّيات. ولا ينبغي أن يغيب عن بالنا أنّ المشاكل الاقتصاديّة ومشاكل البطالة تسفر لا محال عن ضغوط اجتماعيّة لا بدّ من معالجتها إذا ما أردنا تحقيق أيّ تقدّم في تطوير الاقتصاد. وتخاطر الحكومات التي تتجاهل أو تخفق في معالجة الضغوطات الاجتماعيّة وهناك طائفة من الأمثلة الحديثة على نتائج مثل هذا الإخفاق.
حاولنا في هذه الورقة التشديد على أنّه من خلال مختلف أشكال الحوار الاجتماعيّ يمكن معالجة المسائل الاقتصاديّة والاجتماعيّة ومشاكل الاستخدام بأفضل الطرق. وبما أن وجهة نظر منظّمة العمل الدوليّة قائمة على المبادئ الأساسيّة للثلاثيّة، فإن هذه المنظّمة تؤكّد أنّه من خلال عمليّة استشاريّة ديموقراطيّة مع منظّمات حرّة ومستقلّة ولها صفة تمثيليّة للعمّال وأصحاب العمل، تستطيع الحكومات أن تحقّق أهدافها الوطنيّة والاجتماعيّة. وفي الواقع ربّما لم يسبق أن تحلّت مقاربات الحوار الاجتماعيّ والثلاثيّة بالأهمّية التي ترتديها اليوم بالنسبة إلى المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وتشكّل الأزمة الآسيويّة الأخيرة مثالاً صارخاً على أنّ غياب البنى والمؤسسات الاجتماعيّة المناسبة أو ضعفها قد يزيد من حدّة نتائج الأزمة ويؤخّر الجهود لاستنباط الحلول للمشاكل الاجتماعيّة ومشاكل الاستخدام التي أسفرت عنها الأزمة. ولا شكّ في أنّ المفاوضة الجماعيّة الملائمة بين العمّال والإدارة أن تخفض تسريح الأعداد الهائلة من العمال وان من شان أنظمة الضمان الاجتماعيّ المناسبة أن تخفّف البؤس والحرمان وليدا تلك الأزمة، ولكان تفتيش أماكن العمل الفعّال وخدمات الاستخدام قد ساهمت في فضّ النزاعات والحدّ من البطالة. وبعبارات أخرى، كانت أدوات الحوار ناقصة وبالتالي جاءت النتائج وخيمة للغاية. لذا لا بدّ من أن يتساءل كلّ بلدٍ ما إذا كانت الإجراءات القانونيّة والعمليّة موجودة لتضمن إجراء حوار اجتماعيّ فعّال ليس فقط في حالات الأزمات ولكن كأداة متوفّرة على الدوام للتقدّم الاجتماعيّ والاقتصاديّ.
ومن واجب الحكومات، بدايةً، الحرص على أنّ مبادئ الحرّية النقابيّة والمفاوضة الجماعيّة موضع احترام كامل. فبدون نقابات عمّاليّة ومنظّمات أصحاب عمل حرّة ومستقلّة ولها صفة تمثيليّة ينتفي معنى الحوار الاجتماعيّ. هناك وسائل عديدة تستطيع الحكومات أن تشجّع وتعزّز من خلالها مثل هذه المنظّمات. وينبغي أن ترى هذا التعزيز في مصلحتها ومصلحة الأمّة جمعاء. كما من واجب الحكومات العمل على تعزيز شروط عمل حرّة ومقبولة عبر المفاوضة الجماعيّة التي كما رأينا آنفاً هي شكل ثنائيّ للحوار الاجتماعيّ تؤمّن فيه الحكومة الإطار التشريعيّ وتكون المسهّل والحكَم إذا ما دعت الحاجة. ويكتسي هذا التفاعل الثنائيّ بين العمّال وأصحاب العمل أهميّةً كبرى في أيّ مجتمع ديموقراطيّ.
وفي سعي الحكومات والعمّال وأصحاب العمل إلى تحقيق الحوار الاجتماعيّ، يجدر بهذه الأطراف الاستفادة القصوى من الخدمات التقنيّة والخدمات الأخرى التي بوسع منظّمة العمل الدوليّة وضعها في تصرّفها. وقد سبق وذكرنا عدداً من الطرق التي يقدّم بها المكتب المساعدة. ونظراً إلى أهمية تعزيز الحوار الاجتماعيّ كهدف استراتيجيّ، سيبذل المكتب جهوداً حثيثة لتقديم المساعدة للبلدان التي تحتاج إلى برامج تساعدها على التقدّم في هذا المجال. عمليّاً، كل البلدان المشاركة في هذه الندوة بحاجة إلى مساعدة تشريعيّة وعمليّة لتعزيز قواعد الحوار الاجتماعيّ. ومنظّمة العمل الدوليّة مستعدّة لتقديم هذه المساعدة للبلدان التي تظهر رغبة حقيقيّة في تحسين وضعها.
ويشهد اليوم عدد من البلدان تغيّراً سياسياً جذرياً ومن المشجّع أن نسمع القادة الجدد والشباب يتحدّثون عن الحاجة المطلقة للتكيّف مع التغيّرات العالميّة عبر زيادة فسحة الديموقراطيّة في بلدانهم وجعلها أكثر شفافيّة وتكيّفاً مع واقع السوق. كما يشدّدون على الحاجة إلى إشراك مجتمعهم بأسره في معالجة المشاكل التي تعني الأمّة. وهذه نصيحة سديدة لجميع الدول الممثَّلة في هذه الندوة. فإذا ما أرادت البلدان ولوج العالم العصريّ، لا بدّ أن من يشيح عدد كبير منها بوجهه عن الماضي ويعتنق مفاهيم منها مفهوم سيادة القانون كأساسٍ للديموقراطيّة والازدهار الاقتصاديّ والحريّة النقابيّة والحوار الاجتماعيّ. وقد تكون النتائج الاجتماعيّة والاقتصاديّة وخيمةً للبلدان التي تحجم عن اتّخاذ هذه الخطوات.