2-1 علاقات العمل التعاقدية وغير التعاقدية
لا أحد يعلم إن كان إبرام عقد بين الخادم والمستخدِم أو غياب هذا العقد قد يحدث أي فرق في شروط العمل. فبعض أنواع عقود العمل تفترض توقيع كل من الفريقين لدى طلب إجازة العمل والإقامة. وفي حال لم يستعن الموظف بعقد نموذجي نظمته سفارته، يُلزم بقبول عقد حُرر باللغة العربية لدى كاتب العدل. ونادراً ما يهتم العمال بتفاصيل العقد أو يلحّوا على التقيد بأحكامه وشروطه. فنادرا مثلاً (الحالة الأولى في الملحق 1) وقّعت عقداً استلمته بواسطة الفاكس في الفيليبين قبل مغادرتها البلاد (نزولاً عند إصرارها)، لكنّه تعرّض للعديد من الانتهاكات.
ويبدو أن مدة العقود قد تتراوح بين سنة وثلاث سنوات على أقصى حد. قانوناً، بانقضاء العقد، يُلزم صاحب العمل بشراء تذكرة سفر لإرجاع الخادمة إلى ديارها.
من ناحية أخرى، يكثر عدد النساء اللواتي يعملن بصورة غير مشروعة، من دون إجازة عمل وإقامة صالحتين، لكن يصعب تحديد عددهن بالضبط. وقد يصبح وضع بعض المقيمات داخل الأسر غير قانوني عندما يمتنع المستخدِم عن تجديد الأوراق ودفع الضرائب المطلوبة. وفي مثل هذه الحالات، ما عساه يحصل لدى انقضاء مدة العقد، إذ يستحيل على العاملة مغادرة البلاد ما لم تحمل أوراقاً قانونية؟ قد يعمد بعض المستخدمين إلى اتهام الموظفة بالسرقة زوراً، لإلقاء المسؤولية عليها وتحميلها رسوم العودة وثمن تذكرة السفر. لكن الحكومة اللبنانية فرضت مؤخراً على المستخدِم إيداع مبلغ ألف د.أ. لدى مصرف الإسكان المركزي، لتغطية مثل هذه النفقات غير المرتقبة.
لسنوات عديدة، حاول عدد من المحامين المنادين بحقوق الإنسان إقناع العاملات الأجنبيات باللجوء إلى القضاء لدى خرق عقود العمل، مقدّمين خدماتهم بلا مقابل، لكن عدد الراغبات في اللجوء إلى مثل هذه التدابير بقي متدنياً للغاية. فالخادمة لا تدرك حقوقها وليست مستعدة لممارستها في لبنان، فإما تغادر البلاد تاركةً هذه التجارب المؤلمة خلفها، وإما تتردد في المجازفة بالبحث عن عمل آخر لتعويض ما خسرته قبل العودة إلى ديارها.
2-2 الأجر
تجني الخادمات الأجنبيات أجوراً تختلف بحسب بلد المنشأ، بالتالي، لا يجوز تحديد أجر شهري ثابت، ومع ذلك، قد يتراوح الأجر المتوسط بين 250-300$. للخادمات الفليبينيات، و100-150$ للخادمات السريلانكيات والأفريقيات. هذا هو الراتب الشهري الذي تجنيه المقيمات داخل الأسر حيث المأوى والمأكل والملبس في بعض الأحيان مؤمن. ويبدو أن وجود خادمة فليبينية يزيد من اعتبار الأسرة، فهي تُعتبر "أكثر ذكاء" وعلماً وقدرة على التكلم باللغة الإنكليزية، اللغة الثالثة في لبنان. ومع ذلك، بينما تجيد الفليبينيات الثلاث اللغة الإنكليزية، كذلك تجيدها الخادمة الحبشية والخادمات السريلانكيات.
أما اللواتي يعملن لحسابهن الخاص فيجنين قدراً أكبر من المال، وقد يبلغ دخلهنّ 500$. في الشهر أو أكثر، لكنهن يجازفن بالعمل غير المشروع أو يتحملن تكاليف إجازة العمل والإقامة كل سنة، فضلاً عن المأوى والمصاريف اليومية.
2-3 ساعات العمل
في المجموعة التي تناولها البحث، تراوحت ساعات العمل بين 9 ساعات و 19 ساعة في اليوم. ففي مسح لـ 70 خادمة سريلانكية، تبين لـ Jureidini & Moukarbel (2001) أن متوسط ساعات العمل يتراوح بين 16/17 ساعة في اليوم. ولوحظ أن العديد منهن يبقين "متأهبات" طيلة 24 ساعة، للطبخ والتنظيف حتى ساعة متأخرة من الليل عند استقبال الضيوف، أو للاعتناء بالأطفال ومساعدة المسنّين.
حددت الحكومة السريلنكية في العقد النموذجي الذي أعدّته لرعاياها ما لا يزيد عن 12 ساعة عمل في اليوم، يتخللها فترات راحة ملائمة. وحدها بِيّا تأخذ قسطاً من الراحة بانتظام بين الساعة الثانية والرابعة من بعد الظهر. فأياً كانت المعايير المعتمدة، تبقى ساعات العمل هذه طويلة للغاية.
2-4 أوقات الفراغ أو الترفيه
إن خادمة واحدة من أصل 8 خادمات تحظى بيوم عطلة، يوم الأحد في هذه الحالة، مما يطابق نتيجة المسح حيث 88% من أصل 70 خادمة سريلنكية لا يحظين بأي يوم عطلة. وقد يُمنح البعض ساعة أو ساعتين يوم الأحد لحضور القداس، ولكن برفقة المستخدِم. ونادراً ما تستطيع الخادمة المقيمة داخل الأسرة أن تخرج من المنزل لزيارة أصدقائها أو حتى للتنزه. وقالت بعض الخادمات أن أدنى فترة راحة يتم تخصيصها للاسترخاء أو النوم بسبب الإرهاق.
من المؤكّد أن العاملة لحسابها الخاص قادرة على التحكّم يوقتها الحر، وفقاً لساعات العمل والمال الذي تجنيه. وتعمل هؤلاء الخادمات لدى أكثر من مستخدِم واحد، فيتقاضين أجراً بالساعة أو اليوم. ويكرّسن أيام الآحاد للاحتفالات الدينية، عادة. أما الرعايا السريلنكيات على وجه الخصوص، فيجتمعن في منطقة الدورة، إحدى ضواحي بيروت، للتسوق والاختلاط بالغير. والذي يراقب ما يحدث في الدورة يوم الأحد يرى غالبية الشبان والشابات منفردين في مجموعات صغيرة. تغيب عن هذا التجمع أي تدقيق لقوى الأمن في الأوراق الثبوتية أو أي مضايقة عامةً.
2-5 مهام العمل
بصورة عامة، تقوم الخادمات بجميع الأعمال المنزلية باستثناء الطهي الذي تتولاه سيدة المنزل. لكن الخادمة تساعد في الطبخ، فتقطّع الخضار وتعدّ المائدة وتخدم على الطاولة وتتولى التنظيف بعد الانتهاء من الأكل وغسل الأطباق، كما تعتني بغسل الملابس والكوي وتنظيف الأرض والسجاد - وفي بعض الأحيان نفض السجاد وغسله- وإزالة الغبار كل يوم وترتيب الأسرّة والمنزل وفوضى الأولاد والتبضّع من الدكان أو مرافقة صاحب العمل إلى السوبرماركت. وفي العديد من الحالات، يُضاف إلى جميع هذه الأعمال مهمة الاعتناء بالأطفال.
وتبقى كثافة العمل وقفاً على درجة تطلّب سيدة المنزل. فالمهووسات بالنظافة يتفقدن الخادمة باستمرار للإشراف على عملها، ويغدو النقد المستمر شكلاً خفياً من أشكال المضايقة والضغط؛ والبعض الآخر غير متطلب. لوحظ في إحدى المقابلات فرقٌ بين أصحاب العمل الغير لبنانيين وأصحاب العمل اللبنانيين.
كما يُطلب من العديد من الخادمات العمل في منزل أحد الأقارب، رغم أن عقود عمل السريلنكيات والفليبينيات تحظّر ذلك. وفي أي من هذه الحالات، لا تتلقى الخادمة أي مال إضافي. وعندما تذهب الأسرة في نزهة أو زيارة، غالباً ما ترافقها الخادمة، ولكن من ضمن عملها (وليس للترفيه).
2-6 معاملة صاحب العمل
لعلّ العنف الجسدي هو إحدى الصور الأكثر رواجاً لمعاملة الخادمات في لبنان. فثمة حالات خطرة للغاية تناقلتها الصحافة؛ لكن بالإجمال، ليس الضرب من قبل المستخدِمين رائجاً إلى هذا الحد. فالعديد من الخادمات الأجنبيات أفدن بمعاملة لائقة ومحترمة، وبتن يكنّنّ المحبة لصاحب العمل. في الواقع، يبدو أن أسوأ أشكل العنف يمارسه موظفو وكالة الاستخدام أكثر منه المستخدِمون. ومع ذلك، غالباً ما تعاني الخادمة من الإساءة الجسدية والنفسية.
تجدر الإشارة إلى أن أسوأ معاملة تتعرض لها الخادمة تحصل في الأشهر الأولى للعمل، ففي خلال هذه المرحلة، تعتقد سيدة المنزل أن عليها "تدريب" الخادمة تدريباً صارماً حتى لا يحدث أي سوء تفاهم لاحقاً، وهذا ما يعكس صرامة وصعوبة عملية الاندماج في العمل. وضمن هذه العلاقة، يكثر الخوف والشك من الجهتين.
أنشأت مؤخراً لجنة رعية المهاجرين الأفريقيين والآسيويين (The pastoral Commitee of Asian-African Migrants) قاعدة بينات أولية تفيد بالحالات التي تعاملت معها طيلة 12 شهراً لغاية آذار 2000. فمن أصل 406 حالة، استحوذت الفليبينيات على 234 (58%) حالة، وفقط 21 منهنّ (5%) كنّ سريلنكيات. وسُجِّلت حالات أخرى مع رعايا من فيتنام وزائير وأثيوبيا ونيجيريا وإندونيسيا والسودان وكينيا ومدغشقر وجزر موريس وغانا وإريتريا. وأفيد في 116 حالة ببعض التجاوزات أو سوء المعاملة من قبل صاحب العمل، كما أُفيد في العديد من الحالات بأكثر من نوع واحد من أنواع سوء المعاملة. وبما أن حجز جواز السفر والأوراق الثبوتية بات معمّماً، لم يُعتبر شكلاً من أشكال الإساءة كما رُبَّ ينبغي أن يكون.
2-7 حرية التنقل
لعل تقييد حرية التنقل من أبشع أشكال التحكّم بالخادمة الأجنبية في لبنان. فإن لم يقفل عليها باب الشقة، نادراً ما تُعطى مفتاح المنزل الذي تُمنع من مغادرته من دون إذن صريح. وهذا ضرب من ضروب السجن الذي بات بديهياً في علاقة العمل: فحتى لم عوملت الخادمة معاملة حسنة على جميع الأصعدة الأخرى، يبقى تقييد الحركة معمماً.
وتُقيَّد حرية التنقل أيضاً باحتجاز جواز السفر وسائر الأوراق الثبوتية، الأمر الذي يتنافى مع جميع الاتفاقيات الدولية. ومع ذلك، تبقى هذه الممارسة رائجة، يتغاضى عنها حتى الديبلوماسيون الأجانب الذين تحدثنا إليهم والمحامون المدافعون عن حقوق الإنسان والكهنة وما شابه. فهم يقرّون في الإجمال بأن المال الذي وظفه صاحب العمل يبرر هذه الممارسة لغاية توطيد الثقة، بغية الحد من خطر فرار الخادمة.
أما تجربة العزل التام فالجميع مُجمِع عليها، بمعنى أن لا وصول للخادمة إلى الهاتف، وفي بعض الأحيان، لا يصلها البريد وتُضبط مراسلاتها مع ذويها أو تُعزل تماماً عن المجتمع. مثلاً، نادراً ما يُسمح للخادمة التكلّم مع خادمة أخرى عبر الشرفة أو في الشارع.
يُضاف إلى ضبط التنقل حرمان الخادمة من الطعام، فالعديد من المقيمات داخل الأسر لا يأكلن بما فيه الكفاية ولا يُسمح لهن إلا ببقايا الطعام. وفي العديد من الحالات، توضع أقفال على البرادات.
الخاتمة
ركز هذا القسم أكثر ما ركّز على ممارسات العمل السلبية من منظار الخادمة الأجنبية. ولكن ينبغي أخذ وجهتَي نظر في الاعتبار لدى تحليل وضع الخادمات الأجنبيات في لبنان. فإحداهما تتعلق بأشكال الاستعباد المذلّة والأخرى بآثار العمل الإيجابية، حيث يَفيد الأفراد والأسر والدول المصدرة على السواء من فرص اقتصادية أفضل أتاحتها هؤلاء العاملات. كما قد تسهم فرص أخرى مثل المهارات والخبرة المكتسبة في تطوير الفرد وتحسين مستواه الاجتماعي في مجتمعه المحلي.
تجدر الإشارة إلى مدى استعداد هؤلاء النساء للتضحية بسنوات عديدة من أجل عائلاتهن. فغالباً ما تتعرّض المرأة لفشل زواجها، وهو أمر رائج، والانفصال عن أولادها. وهنا يلعب الحظ دوره في الحصول على وظيفة أمينة ولائقة في الخارج.
"رغم غياب التجاوزات الخطرة في لبنان، إجمالاً، بات تقييد الحرية وحجز جواز السفر والتذليل أموراً "طبيعية" بالنسبة لأصحاب العمل اللبنانيين. فرغم النقد الدائم والاستغلال، لا تكتفي بعض النساء بالبقاء لدى أصحاب العمل (مثل بِيّا) بل يقبلن بهذه الشروط ويجدّدن عقود العمل. بالتالي، يبدو أن المنافع المكتسبة تطغى على الثمن التي تقبل هذه النساء بدفعه.
3- الآليات الاجتماعية المتاحة
يتناول القسم التالي الخادمة الأجنبية التي يحذو بها وضعها اللا قانوني إلى تجنّب السلطات اللبنانية خوفاً من الاعتقال والسجن والترحيل. بالتالي، عليها إيجاد مأوى ملائم ودخل لكفاية حاجاتها، إلا إذا سلّمت نفسها طوعاً بانتظار الترحيل، الأمر الذي قد يستغرق أشهراً عديدة بينما هي معتقلة في ظروف مروعة. رسمياً، لا يُصنّف مركز الاعتقال كسجن، باعتبار أنه مخصص لاستقبال المرحَّلين. وفي أي وقت كان، قد تتراوح أعداد المهاجرات الآسيويات والأفريقيات المعتقلات في تلك المراكز بين 200-300 خادمة (Young, 2000).
ورغم أن لبنان عضو، منذ العام 1964، في اللجنة الاستشارية لمفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، لم يوقّع على اتفاقية جنيف للعام 1951 التي تقر بحقوق اللاجئين والمهجرين، ولا على الاتفاقيات المتعلقة بالعمالة المهاجرة. فالخادمة المهاجرة التي تفتقر إلى حقوق المواطن الأساسية بالمساعدة العامة والسند العائلي، تُترك لأهواء الجمعيات الخيرية والبعثات الديبلوماسية. ثمة أربع هيئات مستقلة عن الدولة تلجأ إليها الخادمات المهاجرات "القانونيات" و"غير القانونيات" على السواء.
3-1 المنظمات غير الحكومية
بعد الحرب الأهلية، انتشرت في لبنان المنظمات غير الحكومية اللبنانية والأجنبية، ولكن قليلةٌ هي المنظمات التي استهدفت حاجات الخادمات المهاجرات. فلم تُؤسَّس لجنة رعوية المهاجرين الأفريقيين والآسيويين (PCAAM) إلا في العام 1997. تقدّم الرعية، بقيادة المطران بولس بسيم والأب مارتن ماك درموت، مساعدة اجتماعية وقانونية ودينية للعمال المهاجرين. وفي غالب الأحيان، تُؤمَّن خَدمات المحامين شبه مجاناً، إما عبر برنامج المعونة القضائية التابع لنقابة المحامين في بيروت، وإما بمساعدة محامين متخصصين في حقوق الإنسان. كما تشرف لجنة الرعية على أربعة مراكز كاثوليكية تُعنى بحاجات الخدم الأفريقيين والآسيويين (وغيرهم من المهاجرين) وهي: مركز المهاجرين الأفريقيين والآسيويين AAMC (1987) ولكسيتا Laksehta (1988) ومبادرتان فرديتان أطلقهما الأب فلاغت والأب ماتي. وكما لجنة الرعية، تعتني رابطة كاريتاس لبنان بمشاكل العمال المهاجرين تحت مظلة المجموعة الأوروبية. وينسّق مركز اللاجئين والمهاجرين للأجانب (1994) التابع لكاريتاس مع الرعية والمراكز الأربعة المذكورة التي تهدف جميعها، بأوجه مختلفة، إلى مساعدة النساء اللواتي اعتُقلن لعدم حيازتهن أوراقاً قانونية.
تتولى الأخت أميليا من الجنسية الفليبينية إدارة مركز المهاجرين الأفريقيين والأسيويين (AAMC). فغالبية الخادمات الفليبينيات يتردّدن إلى هذا المركز الذي يوفر، فضلاً عن الخدمات الاجتماعية، منتدىً تقام فيه الاحتفالات الدينية والنشاطات الترفيهية. وفيه "ملجأ" يستضيف اللواتي فررن من منزل صاحب العمل، يصلهنّ المركز، بفضل اتصالاته الخاصة، بأصحاب عمل أفضل سمعة.
أما مركز Laksetha الذي تديره الأخت أنجيلا، راهبة سريلنكية من رهبنة الراعي الصالح، فيوفر ملجأ آخر في ضواحي بيروت مخصصاً بصورة شبة حصرية للرعايا السريلنكيات (Young, 2000). يؤمّن المركز سلسلة من الخدمات الاجتماعية والدينية، ومرة في الشهر، ينظم زيارة للسجون التي يُحتجز فيها رعايا سريلنكيون (مثل زحلة وطرابلس وبعبدا). إضافة لذلك، يؤمن خدمة بريد، ويساعد، عن طريق سفارة سريلانكا، في نقل رفات الخدم المتوفين، البوذيين والكاثوليك. وبين أيلول/سبتمبر 1998 وآب/أغسطس 1999، استفاد ما لا يقل عن 10.000 شخص من مختلف أشكال المساعدة التي يوفرها المركز: الملجأ (130 امرأة)، المعونة القضائية (34 امرأة)، سحب جوازات السفر من المستخدِمين (5)، وظيفة (116)، عناية طبية بما فيه الاستشفاء (78 امرأة)، معالجة الأمراض النفسية (14 سريلنكية و7 حبشيات) والترحيل2 (59 امرأة). وأثناء هذه الفترة، تمت زيارة ما يناهز 750 شخصاً في السجن.
وتأسست الجمعية السريلنكية للرعاية (The Sri Lankan Wekfare Association) في أوائل العام 1999 لجمع الأموال من أجل إغاثة المحتاجين إلى مساعدة طارئة. ورغم أن الكفيل ملزم بإبرام تأمين صحي للخادمة، تبقى العديد لا بل غالبية العاملات دون تأمين، لا سيما الفارات واللواتي لا يملكن أوراقاً قانونية لأسباب الضيقة المادية. فتعمل هذه الجمعية على جمع الأموال لتمكين المهاجرات المعدمات من دخول المستشفى، سيما وأن المستشفيات في لبنان تفرض سلفة على الحساب حتى قبل قبول المريض.
إن غالبية الخدمات الاجتماعية المخصصة للعاملات المهاجرات في لبنان مصدرها الجمعيات الدينية، كما يتبيّن أعلاه، لا سيما الجمعيات التابعة للكنيسة الكاثوليكية. وتأسس عدد من المجموعات الدينية ارتبط الكثير منها بـ AAMC أو PCAAM، لكنها تميل إلى المساعدة على أساس الجنسية. يُضاف إليها المجموعات الوطنية (الفليبينية، السريلنكية، الغانية، التنزانية، النيجيرية) التي باتت "شبكات تضامن تؤمن المساعدة والمشورة " (Young, 2000 : 66).
ومنذ العام 1994، تمدّ كاريتاس لبنان يد المساعدة للمهجرين واللاجئين والمهاجرين المعرّضين للخطر عبر مركز اللاجئين والمهاجرين للأجانب، الذي يستهدف الوافدين من أفريقيا وآسيا والنساء خصوصاً، ويضع محامياً تحت تصرفهم للمشورة. أما الحالات المؤيَّدة ببراهين ساطعة والتي يتعذر حلّها عن طريق الوساطة، فتُحال إلى المحكمة. كما يجوز للعاملين الاجتماعيين في المركز إلحاق الخدم المهاجرين بخطة تأمين متدنية الكلفة، ويبقون على أهبّة الاستعداد للمساعدة في حل مشاكل هؤلاء العمال وتوجيههم نحو الخدمات الاجتماعية المتاحة.
كما يداوم عامل اجتماعي تابع للمركز في معتقل العدلية، للإشراف على معاملة المعتقلين، ونوعية العناية الصحية، وتأمين الوجبات من الخارج، والمساعدة في تسوية القضايا والإفراج المبكر عن المعتقلين عند الإمكان.
3-2 السفارات
تتخذ السفارات والقنصليات المتوفرة في لبنان مسؤوليات بازدياد مستمر بناءاً على تفاقم أعداد العمال المهاجرين وتفاقم المشاكل المتعلقة بظروف عملهم. في السنة الماضية، فتحت قنصلية أثيوبيا أبوابها. ولغاية سنتين، اكتفت دول مثل سريلانكا ومدغشقر وفيتنام وأفريقيا، باستثناء السودان، بتعيين قناصل فخريين لتمثيلها في لبنان، من بين الرعايا اللبنانيين الذين كانوا يعتمدون على العمولة التي يتلقونها لقاء خدماتهم. لكن، غالباً ما كانوا يعملون كوكلاء استخدام أيضاً. بالتالي، لم يحرصوا على حماية مصالح المهاجرين (Garde, 1998).
إن أحد المؤشرات على درجة انعزال العاملات المهاجرات وإحباطهن ينعكس في معدل الانتحار المسجّل. ورغم غياب دراسة وافية، برزت بعض الأرقام التي تفيد مثلاً بـ 47 حالة "انتحار" لخادمات سريلنكيات في العام 1997، جميعهن قفزن من شرفة منزل صاحب العمل (النهار، 3/3/98). وفي فترة الستة أشهر ابتداءً من آذار 2000، أقدمت 8 حبشيات على الانتحار (مقابلة مع القنصل الأثيوبي في كانون الأول/ديسمبر 2000). إضافة لذلك، يشتبه الرأي العام بالعديد من الحالات، متسائلاً إن كانت عمليات انتحار فعلية أو جرائم. ففيما جُرِّمت خادمتان سريلنكيتان على الأقل بالقتل، لم يُتهم أي لبناني أو يعتبر مذنباً في هذه الجرائم بحق الخادمات الأجنبيات.
لكن من المؤكّد أن وجود البعثات الديبلوماسية ناشطة من شأنه إحداث فرق في معاملة المهاجرات في لبنان.
3-2-1 سفارة سريلانكا (1998)
في عهد سفيرها الحالي الدكتور م. محسن، اتخذت سفارة سريلانكا العديد من التدابير الإصلاحية. فعينت موظفاً يزور مكاتب الأمن العام بانتظام، للاستعلام عن أسماء وعناوين مستخدِمي الفارات والتفاوض بشأن سحب جوازات السفر ودفع الأجور وبدلات الترحيل. بحسب أقوال هذا الموظف، يُظهِر الأمن العام استعداده الدائم للتعاون والمساعدة، بل يساعد أحياناً، بصورة استثنائية، في سحب هذه المستندات بالنظر إلى قدرته في الإقناع.
وفي محاولة لتحسين شروط عمل رعاياه، يبلّغ السفير الوكيلَ المعني عند لجوء إحدى الفارات إلى السفارة. ولدى وصول الوكيل لـ"استلام" الخادمة، لا يرجعها السفير لوكالة الاستخدام بل يصر على مقابلة المستخدِم التالي للتأكد من حسن معاملته للخادمة وتذكيره بموجباته ومسؤولياته.
3-2-2 سفارة الفيليبين
يمكن القول إنّ سفارة الفيليبين أمّنت أكثر التسهيلات لرعاياها في لبنان، إذ أنشأت الحكومة مديرية الاستخدام الخارجي المزوّدة بتشريعات لحماية العمال المهاجرين من الإساءة والاستغلال. وفي إطار سياسة صريحة ترمي إلى تشجيع هجرة اليد العاملة ("هجرة الفليبينيين من أجل العمل")، اعتُمدت أنظمة تفرض على المهاجرين المشاركة في "ندوات توجيهية سابقة للسفر". لكن هذه الندوات تكتفي بالتوعية أكثر منه تدريب الخادمات وإحاطتهنّ بالظروف التي قد تُواجه في البلد المستضيف.
كما اعتُمدت إجراءات من أجل ترخيص وكالات الاستخدام الراغبة في استقدام الفليبينيات إلى لبنان، حيث يُطلب من المكاتب المرخصة استعمال "عقد الاستخدام النموذجي" الذي وضعته السفارة والذي ينص على شروط الاستخدام (في اللغتين العربية والإنكليزية). وابتداء من أيلول/سبتمبر 2000، تم التوقيع والموافقة على حوالي 200 عقد من هذا النوع. من الأسهل على السفارات وغيرها من المؤسسات رعاية الفرقاء الحاملين عقود مصادقة من السفارة، لأن جميع التفاصيل المتعلقة بالمستخدَم والمستخدِم ومكتب الاستخدام مدونة فيها. ومع ذلك، لم تُسجل أي حالات تمّ الادعاء فيها بخرق العقد.
وصُمم مركز موارد ومعلومات العاملة الفليبينية (Filipina Worker Resource Center) في بيروت لتنظيم دورات تدريبية لمساعدة الرعايا في تحسين مهاراتهن وممارسة الأنشطة الثقافية. فأُنشئ هذا المركز تلبيةً لحاجات "التنمية" والرعاية الاجتماعية. بناء عليه، يمكن القول إن الفيليبين تتعاطى مع برنامج الهجرة معاطاة "عملية محترفة".
3-2-3 قنصلية أثيوبيا
منذ اعتماد قانون وكالة الاستخدام الخاصة في العام 1998، تراجع بشكل ملحوظ دور الحكومة كوكالة استخدام عامة توظف العمال في الخارج. ولكن، حتى عندما أدت الحكومة دور وكالة استخدام عامة، تعرّضت غالبية النساء للاتجار أكثر منه للاستخدام المشروع. ففي العام 1996 مثلاً، هاجرت 356 امرأة فقط إلى الدول العربية بموافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، شأنها شأن 728 امرأة في العام 1997، و894 امرأة في العام 1998، و1.163 امرأة في العام 20003. ومع ذلك، أُفيد في العام 1999 بوجود 17.000 خادمة حبشية في لبنان4, ما يكفي للاستدلال إلى هجرة النساء عبر قنوات غير قانونية أكثر منه قانونية5.
رداً على الضغوط التي تعرضت لها الحكومة الأثيوبية لعدم حماية العاملات المهاجرات، وعلى ضوء تقارير أفادت بتجاوزات قصوى تعرّضت لها هؤلاء النساء، شكّلت وزارة الخارجية لجنة وطنية في حزيران/يونيو 1999، تألفت من ممثلي عن وزارات الخارجية والعدل والأمن والعمل والشؤون الاجتماعية والإعلام والثقافة، ومكتب شؤون المرأة في رئاسة الوزراء، وسلطة شؤون المهاجرين واللاجئين ومفوضية الشرطة.
لغاية يومنا هذا، لم ترتئ حكومة أثيوبيا فتح سفارة لها في لبنان بسبب العلاقات السياسية التي تربط البلدين. بالتالي، يدير القنصل الحالي، السيد فيسيا أفيوركي، مكتباً صغيراً يستقبل أعداداً هائلة من الفارات اللواتي يلتمسن جوازات مرور أو معونة قضائية، علماً أنه يستعين بخدمات محام واحد أو اثنين على الأكثر مجاناً. تُقترف العديد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان بحق ما يناهز 15.000 حبشية في لبنان (نسبة الخادمات غير معروفة)، فأكثرهن دخلن لبنان بصورة غير مشروعة من دون عقد عمل، عن طريق وكالات في أديس أبابا، بدون علم الحكومة. وفي أثيوبيا وكالة معتمدة واحدة تحرص على احترام معايير العمل الدولية. والخادمات غير القانونيات يتعرضن لسلسلة من المعاملات اللا إنسانية، بما فيها الاغتصاب والحرق والتجويع. لكن معدل انتحار الحبشيات تراجع منذ فتح القنصلية أبوابها، إذ بات بإمكانهنّ الترويح عن همومهنّ (مقابلة مع الأب سليم رزق الله).
بالنظر إلى ندرة الموارد المتوفرة، تعتمد القنصلية اعتماداً كبيراً على مساعدة المنظمات غير الحكومية وغيرها من الجمعيات الخيرية والأفراد.
الخاتمة
لا شكّ في أن المساعدة الاجتماعية والطبية والقانونية التي توفرها المنظمات غير الحكومية والسفارات ملحّة ولا غنى عنها، إلا أنها لا تفلح دوماً في حل مشاكل الرعايا في لبنان. فلغاية اليوم، لم تلاحق الحكومة اللبنانية إلا القليل القليل من المستخدِمين/الكفلاء الذي أخلّوا بموجباتهم التعاقدية؛ بالتالي، ليس بيد السفارات والمنظمات غير الحكومية حيلة. ومع الميل الديبلوماسي إلى تجنّب النزاعات واهتمام السفارات بهجرة اليد العاملة كسلعة للتصدير، لا يُنصَف المهاجرون إلا نادراً. أضف إلى ذلك، بحسب Young (2000: 71)، أن "غالبية الدول التي ترسل العمال إلى لبنان، اللهمّ باستثناء سوريا ومصر، لا يعتبرها اللبنانيون نافذة بما فيه الكفاية لفرض احترام رعاياها عليهم".
وتبقى العاملة الحرة سنداً مهماً بالنسبة للنساء موضوع هذا الفصل. فعليها التحلي باللباقة والإفادة من خدمات المنظمات غير الحكومية المذكورة أعلاه، عند الاقتضاء. بالمقابل، قد تجد عملاً للفارات اللواتي لجأن إلى المنظمات غير الحكومية. وقد تكوّنت شبكات عديدة على هذا النحو، لكنها انحصرت بالمجموعات الإثنية. ففيما أن عاملات أفريقيات وآسيويات لحسابهن الخاص يشتركن في المأوى والعمل، تبقى الصداقات والمساعدات محصورة داخل مجموعات وطنية على أساس بلد الأصل.
4- آخر الإصلاحات والإجراءات الحكومية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالعمّال المهاجرين
4-1 الإصلاحات والإجراءات الحكومية
يجوز استخلاص خمسة تدابير آلت إلى تغييرات إيجابية في لبنان في السنتين الأخيرتين، في عهد حكومة دولة الرئيس سليم الحص. وفي معرض السعي لتحسين الإدارة وتطبيق الأنظمة، ركّزت الحكومة غالبيةَ الإصلاحات على كيفية التعامل مع الأجانب اللا قانونيين وإجازات العمل والشرطة وما شابه.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 1998، حظّرت الحكومة اللبنانية "التنازل" عن الخدم الأجانب من كفيل لآخر، فحدّت من ممارسة شبيهة بـ "بيع" العمال، إذ أن جميع إجراءات التنازل كانت تنطوي على عوض ما للكفيل. لكنّ السبب البيّن الذي برّر هذا التغيير التشريعي كان مختلفاً بعض الشيء، إذ أرادت الحكومة التأكد من عدم استعمال كفلاء بالاسم أو وهميين من قبل الوكالات والأفراد، لاستقدام وتوظيف أعداد كبيرة من العمال الأجانب، وهي ممارسة شبيهة بالاتجار. ولجأ الكفلاء إلى هذه الممارسات بسبب الضريبة التراكمية المفروضة على الكفيل الذي يدفع 250.000 ل ل عن الخادمة الأولى و500.000 ل ل عن الثانية و1.000.000 ل ل عن الثالثة، وهكذا دواليه، مما جعل هذه المصلحة مصلحةً مكلفة للغاية.
ومجدداً في العام 1998، أقرت الحكومة رسم طابع بقيمة 24$ تقريباً، يُدفع لدى تسجيل تأشيرة الدخول (التي تغطي العامل طيلة الأشهر الثلاثة الأولى من إقامته في لبنان). فتراجعت الكلفة تراجعاً ملحوظاً، بعد أن كان الوكلاء والكفلاء يدفعون حوالي 250$ لوزارة العمل.
واتخذت حكومة الحص مبادرة أخرى تمثلت بإنشاء مكتب للشكاوى، بيّنت أن وزارة العمل باتت مستعدة لأداء دور فاعل في هذا الصدد. وفي السنة المنصرمة، عُلِّقت رخص ثلاث وكالات بتهمة سوء تصرف، كما عُلّقت أعمال وكالة واحدة (راجع الحالة 2) بسبب التدخل المباشر للسفير السريلنكي الذي تقدّم بالشكوى شخصياً؛ لكن لم تبطل أي إجازة فعلياً. ورغم وجود آلاف الحالات التي يمكن النظر فيها، نادراً ما كانت هذه الحالات تبلغ حدّ الشكوى بسب انعدام ثقة العاملات في النظام الذي يُعتبر حليفاً تلقائياً لمصالح المستخدِِم، ولأن العاملات يفتقرن إلى المعلومات عن إذا ومتى يجدر بهنّ تقديم الشكوى.
إضافة لما تقدّم، أقدمت الحكومة، منذ العام 1998، على أتمتة أسماء وعناوين جميع العمال الوافدين وكفلائهم. فبات من الممكن تقفي أثر الكفلاء عبر الوزارة (الأمن العام) كلما طرأت مشكلة ما. في السابق، كان يستحيل إيجاد صاحب عمل أساء لخادمته "الفارة" أو امتنع عن دفع أجرها، إن كانت هي تجهل اسم كفيلها الكامل أو عنوانه.
وابتداء من آب/أغسطس 2000 لغاية شباط/فبراير 2001، أصدرت الحكومة "عفواً" يسمح لجميع المقيمين غير القانونيين في لبنان طلب إجازة إقامة أو مغادرة البلاد. وفي إحدى المقابلات، أوضح اللواء جميل السيّد، رئيس مديرية الأمن العام، أن هذا التدبير ليس عفواً، لأن الذين يسوّون أوراقهم ملزمون بتسديد الضرائب للفترة الممتدة منذ آخر تجديد لتأشيرات العمل وإجازات الإقامة، سواء غادروا البلاد أم لا. ولكن، يجوز التنازل عن الأوراق من دون تصريح خاص، في حال لم يعد الكفيل هو المستخدِم ورغب مستخدِم آخر في كفالة الخادمة. وهدف هذا التدبير إلى الحدّ من عدد الخدم الأجانب غير القانونيين في البلاد، إذ أن اعتقالهم يكلّف الحكومة مشقّة باهظة الكلفة يرغب الأمن العام في تجنبها.
مبدئياً، إذا هجرت خادمة أجنبية كفيلها، تُلزم بمغادرة البلاد أو طلب ترخيص خاص لإجراء تنازل لصالح مستخدِم آخر (الأمر الذي لا يجيزه إلا "العفو" الحالي). لكن الأمن العام أفاد مؤخراً بإمكانية التنازل عن مسؤولية استقدام خادمة أجنبية إلى البلاد، مرة واحدة فقط في الأشهر الثلاثة الأولى من إقامة العاملة الأجنبية في البلاد" (Daily Star، 6/12/2000). وأُقرّ هذا التدبير من أجل الحرص على إمكانية التنازل عن خادمة ما من كفيل لآخر، بعد انقضاء "العفو"؛ لكن مهلة الأشهر الثلاثة الأولى توافق المهلة الممنوحة للمستخدِم/الكفيل الأول للاستحصال على سمة عمل وإقامة سنوية. فإن لم يرغب أيٌّ من المستخدَم أو المستخدِم في متابعة العقد، أمامها ثلاثة أشهر لفسخه. وتصادف هذه المهلة أيضاً ضمانة وكالة الاستخدام باستبدال الخادمة خلال الأشهر الثلاثة الأولى إن لم تلقَ رضى المستخدِم.
4-2 الاتفاقيات الدولية
لقد صادق لبنان على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي يمكن الادّعاء بها لأغراض قانونية وسياسية. ويرد أدناه تفصيل لهذه الاتفاقيات وأكثر البنود التي يمكن تطبيقها على الخادمات الأجنبيات في لبنان. ولكن، تنبغي الإشارة إلى أن الوضع القانوني للمهاجرين في القانون الدولي مرتبط بوضعهم كأجانب. بالتالي، هم بحاجة لحماية ديبلوماسية لا يمكن إلا للدولة أن تنشّطها عبر علاقاتها الثنائية (Pires, 2000). فقانون الأجانب والتمثيل الديبلوماسي سند مهم للمهاجرين حيث لا يُقبل بصكوك حقوق الإنسان الدولية ذات الصلة. وفي القانون اللبناني، لا يُسجّل الخدم بموجب قانون العمل بل بموجب القانون المدني، إذ تنص المادة 7 من قانون العمل على حماية جميع العمّال، باستثناء الخدم في بيوت الأفراد.
4-2-1 اتفاقيات الامم المتحدة
لقد شارك لبنان في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العمومية للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 1948. وتكرّس الإعلان في الدستور اللبناني الذي ينص بدوره على تقدّم جميع الاتفاقيات الدولية التي يوقعها لبنان على القوانين والاتفاقيات الوطنية. ونخصّ بالذكر المادة 5 من الإعلان حول التعذيب والعقوبات والمعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطّة بالكرامة؛ والمادة 13 حول حرية العامل في النقل والحق في مغادرة أية بلاد، بما في ذلك بلده والحق في العودة إليه؛ والمادة 23 حول حرية اختيار العمل بشروط عادلة مرضية والحق في الحماية من البطالة؛ الحق في أجر متساو للعمل والحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها لحماية مصلحة العامل؛ والمادة 24 التي تناقش الحق في الراحة وأوقات الفراغ، لا سيما في تحديد معقول لساعات العمل وفي عطلات دورية بأجر. وجميع هذه المواد من الأهمية بمكان.
واستُعمل عدد من اتفاقيات أخرى للأمم المتحدة في المحاكم اللبنانية دفاعاً عن الخادمات المهاجرات اللواتي تعرّضن لمعاملة سيئة. واستُعين بهذه الحجج في قضايا لخادمات مهاجرات أُقدم على سجنهنّ أو اعتقالهنّ لعدم حيازتهن أوراقاً قانونية أو إجازات عمل، كما خادمات فررن من منزل صاحب العمل أو لا يحملن أوراقاً ثبوتية لأن المستخدِم، أو الوكالة، وضع يده عليها أو لم يجددها؛ وهي:
- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
(صادقه لبنان في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1972)؛
- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
(صادقه لبنان في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1972)؛
- اتفاقية إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)
(صادقها لبنان في 21 نيسان/أبريل 1997).
4-2-2 اتفاقيات منظمة العمل الدولية
رغم أن أهم اتفاقيات لحقوق الإنسان تناولت حقوق العمال المهاجرين، اعتمدت منظمة العمل الدولية بدورها صكوكاً دولية تستهدف حاجات العمال المهاجرين، وهي:
- اتفاقية العمال المهاجرين (مراجعة) 1949 (رقم 97)، وتوصية العمال المهاجرين (مراجعة) 1949 (رقم 86)؛
- اتفاقية العمّال المهاجرين (أحكام تكميلية) 1975 (رقم 143)؛
ولكنّ بلداناً عديدة لم تصادق على هذه الاتفاقيات، بما فيها لبنان. بالفعل، "لم تصادق أي دولة في الشرق الأوسط على أيٍّ من [أهم] اتفاقيات منظمة العمل الدولية" (Pires, 2000).
فيما يكثر عدد الاتفاقيات التي تتناول الأجر ومعايير العمل المقبولة وغير المقبولة، لم تُعتمد أي اتفاقية مخصصة للخدم. فمن حيث التعريف، إن الخدم هم العمال الذي لا ينتمون إلى العائلة أو الأسرة، لكنهم يستخدَمون "لتسهيل الحياة المنزلية والحاجات الشخصية" (ILO, 2000 : 31). كما يُعرف أن السواد الأعظم من العمال المهاجرين عبر العالم هم نساء مهاجرات أو وافدات؛ وهذا البحث يتناول فئة الخادمات المهاجرات في لبنان، أي فئة العمال المهاجرين المؤقتين. إن غالبية التدابير الحمائية الصادرة عن منظمة العمل الدولية تغطي المهاجرين الدائمين، أو الذين "سُمح لهم بدخول أراضي دولة عضو بانتظام" (ILO, 2000 : 74). وما من اتفاقية للمنظمة تتناول العمال المهاجرين المؤقتين بالتحديد.
رغم الإشارة إلى ضرورة تمتع العاملين المهاجرين بجميع الحقوق التي يتمتع بها العمال المحليون (بالنسبة للأجر وساعات العمل والساعات الإضافية والإجازات المدفوعة، الخ)، ينبغي الإقرار بأن العمال المهاجرين موضوع هذا التقرير يُستخدمون لأنهم لا يحظون بحقوق العمال العادية، شأنهم شأن المواطنين اللبنانيين، ولأنهم مستعدون للقبول بشروط عمل أدنى، ذلك لأنهم يتقاضون 4 أو 5 أضعاف (أو أكثر) ما قد يجنونه في بلادهم.
وعلى الرغم من استثناء المهاجرين المؤقتين من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، يمكن الاستعانة ببعض المواد ذات الصلة. تشير المادتان 4 و21 من اتفاقية وكالات الاستخدام الخاصة (180) إلى "اتخاذ تدابير لضمان عدم حرمان العمال الذين تعينهم وكالات الاستخدام الخاصة... من الحق في الحرية النقابية وحق المفاوضة جماعياً". والعمال المهاجرون في لبنان وعدد من فئات العمال الأخرى، كالعمال بدوام جزئي مثلاً، لا يحق لهم بتأسيس النقابات. واعتادت وكالات الاستخدام، في لبنان والبلد المُصدر على السواء، فرض رسم على المهاجر يجبر العامل على التفرغ عن أجره لغاية شهرين أو ثلاثة أو أربعة. فهذا الدين الذي يتخذ شكلاً من أشكال العمل الجبري، لا يخدم مصلحة المهاجرين. وتنص المادة 7 (1) من الاتفاقية المذكورة أنه "لا يجوز لوكالات الاستخدام الخاصة أن تتقاضى بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزئياً أو كلياً، أي رسوم أو تكاليف من العمال". وتفرض المادة 8 على الدول الأعضاء "توفير الحماية الملائمة للعمال المهاجرين المعينين أو الموظفين على أراضيها عن طريق وكالات الاستخدام الخاصة وحمايتهم من التجاوزات. وتشمل هذه التدابير قوانين أو لوائح تنص على عقوبات، بما في ذلك حظر وكالات الاستخدام الخاصة التي تمارس التدليس وترتكب تجاوزات" (المادة 8، 1) (راجع أيضاً ILO, 1998, chapter 5 لدراسة شاملة لوكالات الاستخدام الخاصة والمبادئ التوجيهية الصادرة عن المنظمة).
لقد صادق لبنان على 14 اتفاقية حول معايير العمل الدولية. ورغم أن العديد منها لا يُطبق على المهاجرين موضوع هذا البحث، تبقى الاتفاقيتان التاليتان ذات صلة بموضوع حماية العمال المهاجرين:
- الاتفاقية رقم 105، اتفاقية إلغاء العمل الجبري، 1957
(صادقها لبنان في العام 1977)؛
- الاتفاقية رقم 111، اتفاقية التمييز (في الاستخدام والمهنة)، 1958
(صادقها لبنان في العام 1977).
الخاتمة
لم تلحظ أي اتفاقية حقوقَ الخدم في المنازل، لأنهم يعملون بموجب عقود مؤقتة داخل الأسر، بعيداً عن أنظار الأطراف المهتمة برعايتهم. ولبنان لم يصادق على اتفاقيات الأمم المتحدة التي تتعامل تحديداً مع هذه الفئة المستهدفة: إعلان حقوق الإنسان للأفراد الذين ليسوا رعايا البلد الذين يعيشون فيه، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم.
لكن لبنان قد وقّع على عدد من اتفاقيات أخرى مهمة ربما يتلكأ في ترجمتها لسببين:
- غياب إجراءات واضحة لتطبيق الاتفاقيات الدولية على المستوى الوطني، لا سيما في المحاكم؛
- غياب الوعي لدى هيئات تطبيق القانون.
فمن أجل الدفاع عن حقوق الخدم في لبنان، ينبغي البدء بمعالجة هاتين المعضلتين.
5- الخاتمة والتوصيات
ليس استغلال الخدم الأجانب حكراً على لبنان، لكن الغريب في الأمر أن أشكاله تتشابه في العديد من بلدان العالم. لقد تمّ اقتراح عدد من الحلول للحدّ من هذه الممارسات والقضاء عليها على الصعيدين الدولي والمحلي، على شكل إصلاحات قانونية وإدارية واقتصادية وتربوية وثقافية داخل البلدان المستقبلة. ويمكن تقسيم الانتهاكات إلى ثلاث فئات أساسية هي:
- العنف أو التهديد بالعنف من قبل المستخدِمين ووكالات الاستخدام والشرطة والأمن العام؛
- نكران الحريات باحتجاز جواز السفر وتقييد حرية التنقل خارج منزل صاحب العمل والحد من الاتصالات بالخارج؛
- شروط عمل استغلالية تشمل الامتناع عن دفع الأجور وساعات عمل طويلة وأوقات ترفيه غير ملائمة أو غائبة تماماً ومأوى غير آمن.
يسعى هذا البحث أولاً إلى إيجاد حلول لمختلف المعنيّين، من أجل تحسين شروط عمل المهاجرات من جهة، ومساعدة الهيئات الرسمية على تبسيط معاملات الخدم المهاجرين إلى لبنان، من جهة أخرى، أملين في إرساء أسس لحوار بناء يسعى إلى إيجاد الحلول.
وتنبغي الإشارة إلى أن لائحة التوصيات أدناه قد تؤثر في الطلب على الخادمات في سوق العمل اللبنانية.
5-1 تدابير قضائية
إنّ قلّة قليلة من الممارسات غير القانونية التي تشوب توظيف الخادمات المهاجرات تُحال إلى المحاكم. وتكمن إحدى المشاكل الأساسية التي تواجهها هؤلاء النساء، في حال التعرض لإساءة جسدية أو استغلال مادي، في عدم استعدادهن لمقاضاة المستخدِم أو عجزهن عن تحمّل مصاريف التمثيل القانوني. تُؤمّن المعونة القضائية بلا مقابل عبر نقابة المحامين أو مركز اللاجئين والمهاجرين للأجانب مثلاً، لكن المستخدَمة التي تعرضت للاستغلال تتوق إلى مغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن فور سحب جواز سفرها أو الحصول على جواز مرور. وإن رغبت في البقاء في لبنان، سوف تسعى إلى البحث عن مستخدِم جديد أكثر منه اتخاذ إجراءات قانونية، للحد من خسائرها أو لجني ما يكفي من المال، في أسرة لائقة، كي لا تعود إلى ديارها فارغة اليدين بعد طول غياب.
التوصية
يجدر التشديد على أهمية الدفاع عن المزيد من حالات الاستغلال في المحاكم، من أجل الدفاع عن حقوق العاملات المهاجرات. فبناء على اقتراح Wijers and Lap-Chew، ينبغي توفير المزيد من التسهيلات، مثل المترجمين المؤهلين والمعونة القضائية والتمثيل القانوني أثناء المحاكمات الجنائية وغيرها، كما وسائل التعويض القانونية، وتدابير تمكّن المرأة من رفع دعاوى جنائية و/أو مدنية ضد المسيئين إليها، مثل منحها إجازة إقامة مؤقتة طيلة المحاكمة الجنائية و/أو المدنية وحمايتها كشاهدة (1997 : 209-10).
في لبنان ما يكفي من المحامين والناشطين المختصين في حقوق الإنسان القادرين على تولي مثل هذه القضايا. بالتالي، برنامج المعونة القضائية التابع لنقابة المحامين في بيروت هو الأنسب لتولي التنسيق في هذا المجال.
كما ينبغي أن تتطرق هذه القضايا لمواضيع استراتيجية، مثل احتجاز جوازات السفر والأجور والتجاوزات الجسدية وظروف عمل دون المعايير المعتمدة (بما فيها ساعات العمل وشروط المعيشة السيئة، الخ..) لتنشئ سابقة؛ والأهم من ذلك أنها سوف تؤدي دوراً رادعاً في حال فرض عقوبات صارمة/ملائمة. أضف إلى ذلك أن الدعاية المحيطة بهذه القضايا تثير الوعي لدى السكان، لا سيما إن اقتنع القضاة بالتنديد والتنبيه من هذه الانتهاكات علناً. وإن كان عدد القضايا مرتفعاً، من الأرجح أن تؤيد الحكومة حملة توعية للحد من ظاهرة الاستغلال هذه.
ورغم أن قانون العمل لا يغطي الخدم الأجانب في لبنان، كما تبيّن أعلاه، ثمة أحكام ملائمة في القانوني الجنائي والاتفاقيات الدولية التي صادقها لبنان، التي يمكن الادعاء بها في المحاكم. باختصار، يمكن الاكتفاء بتطبيق الأحكام القانونية الحالية وتحصين العقود بالقانون.
لدى مناقشة أوضاع الخدم الأجانب، يسارع المحامون المتخصصون في شؤون العمل بالاشتكاء من غياب أحكام خاصة بهم في قانون العمل، وهو أمر ينبغي معالجته. فيجب إنفاذ التشريعات، بدعم من الحركة النقابية العمالية، كي تتوفر لهؤلاء العمال وسائل رجوع قانونية فورية، بصفتهم مستخدَمين، بدلاً من الاتكال على المحاكمات الجنائية. ويمكن لتجمّع الهيئات الأهلية، المهتم جدياً بمعالجة موضوع المهاجرين واللاجئين، أن يتولى التنسيق في هذا المجال.
5-2 توظيف المال في إجازات العمل
ثمة نوعان من انتهاكات حقوق الإنسان التي باتت جزءاً من الممارسات العادية لتوظيف الخدم الأجانب في لبنان، وهي، أولاً، احتجاز جوازات السفر وغيرها من الأوراق الثبوتية من قبل صاحب العمل؛ وثانياً، تقييد حركة الخادمة.
قد تجد ممارسات مثل مصادرة جواز السفر تبريراً لها في كون وكالة الاستخدام والكفيل/المستخدِم قد وظفا مبلغاً من المال قبل توظيف الخادمة. بالتالي، تطلب وكالة الاستخدام بعض الضمانات، لأنها مسؤولة عن استبدال الخادمة في الأشهر الثلاثة الأولى من استخدامها. ولهذا السبب ينص العديد من الوكلاء على كون هذه الممارسات، مثل حجز جواز السفر ومنع الخادمة من مغادرة المنزل، شروطاً لازمة للضمانة. أما المستخدِم، فيسعى، من حجز جواز السفر وتقييد الحركة، إلى ضمان "استثماره"، أقلّه حتى تنقضي مدة العقد أو تعمل الخادمة ما يكفي من الوقت لتغطية النفقات الحاصلة. والأمر سيّان بالنسبة لاحتجاز الأجور. بعبارات أخرى، تنشئ هذه الممارسات دين العبودية فضلاً عن "الاستعباد التعاقدي". وتحظى هذه الحجة بدعم كبير ليس فقط من المستخدِمين ومكاتب الاستخدام، بل أيضاً من السفارات والكهنة والراهبات الذين يساعدون هؤلاء الخادمات.
أما الحجة الثانية، فمفادها أن جميع القيود المادية ضرورية لحماية الخادمة من "المتاعب"، مثل معاشرة أشخاص قد يستغلونها لسرقة المنزل، أو الحمل، أو التقاط الأمراض؛ كما قد تلتقي بأناس قد يحثونها على مغادرة المنزل لجني قدر أكبر من المال بوسائل أخرى (التلميح إلى الدعارة أو الأعمال المنزلية الحرة). وإذا أُخذت هذه التبريرات على محمل الجدية، يتبيّن أنها تتناول الحماية الشخصية والخوف من المضاعفات التي لا يرغب المستخدِم في التعرض لها. أما المسألة الأخيرة فتتعلق بسوق العمل، إذ يخشى المستخدِم المنافسة أو إغواء الخادمة بترك عملها إن استهوتها ترتيبات أخرى.
التوصية
إذا حصلت الخادمة المهاجرة على قرض يغطي جزء أو كامل التكاليف الحاصلة بين مغادرتها بلدها الأم ومباشرة العمل في الأسرة اللبنانية، يُدحض التبرير القائل بضرورة حجز جواز السفر وتقييد الحركة (واحتجاز الأجور أيضاً). فحتى إن كانت قيمة القروض كبيرة من وجهة نظر دول مثل سريلانكا والفيليبين والسودان وأثيوبيا ونيجريا، الخ، سوف ترتفع أجور العمال الشهرية تلقائياً إن تقلصت التكاليف الأولية أو أُلغيت برمتها.
بالتالي، تستطيع الخادمة تسديد القرض في وقت قصير نسبياً، لمصرف رسمي يمنح قروضاً جزئية في البلد الأم، وبعدها يُحتجز دخلها بينما تبقى حرة في مغادرة أسرة مستخدِمها متى تشاء.
5-3 وكالات الاستخدام
بحسب ما أوحت به بعض السفارات، إن وكالة الاستخدام هي المسؤولة عن الاعتناء بالمهاجرة التي أدخلتها البلاد. ومن مسؤولياتها توظيفها في عمل لائق والإشراف على ظروف عملها وتطورها. ويتحجج العديد من الوكالات باستحالة متابعة جميع المستخدَمين، لكنها قادرة على متابعتهم بانتظام، كل شهر أو ثلاثة أشهر مثلاً.
تُوقع في لبنان عقود بين الوكالة والكفيل تخصّ بالذكر مسؤوليات صاحب العمل تجاه الخادمة. لكن الهدف الأساسي من هذه الوثائق تفصيل المخاطر من أجل ضمان مصالح الوكالة القانونية والتجارية. فلا شيء يشير إلى حرص هذه العقود على رفاه الخدم وتطبيق معايير أخلاقية على العلاقات الصناعية.
التوصية
أن تبرم وكالة واحدة في لبنان عقداً بين الكفيل/المستخدِم والوكالة، ينص على أن "المستخدِم يتعهد بحماية الخادمة مثل نفسه، وإحاطتها بالعناية الطبية والمأوى والمأكل والأجر الشهري المباشر". هذا ما ينبغي تشجيعه. كما ينبغي أن يحتفظ العقد بحق الوكالة في التأكد مما إذا كان المستخدِم يدفع أجور الخادمة أو يعاملها معاملة حسنة. ويجب إدراج تفاصيل عن موجبات المستخدِم بخصوص تذكرة العودة وإجازة العمل والإقامة وتبليغ السلطات في حال فرار الخادمة والتدابير المتخذة في حال وفاتها، الخ...
يتعيّن التشدّد في تنظيم وكالات الاستخدام وإخضاعها لتدريب مهني ومعايير اعتماد صارمة، على الصعيدين القانوني والأدبي، من أجل تفادي الممارسات المبينة أعلاه، وذلك بالتشاور الوثيق مع سفارات الدول المرسلة.
5-4 العقود
طيلة هذا البحث، أُتي على ذكر العديد من المشاكل الناجمة عن العقود: غياب عقد موحد، عقود غير موقعة، جهل مضمون العقد لأنه لم يُشرح أو بسبب حاجز اللغة، الخ...
التوصية
ينبغي التنسيق من أجل اعتماد عقود نموذجية تسري على الخدم من الجنسيات كافة، الأمر الذي بوسع المكاتب المحلية لمنظمة العمل الدولية أن تتولاه. وعلى العقد أن يغطي مواضيع مثل معايير لائقة تتعلق بالأجر وشروط العمل (لا سيما بالنسبة للمقيمات داخل الأسر) والمعاملة وغيرها من النواحي التي يغطيها هذا التقرير بشأن حرية التنقل والحرص على إبقاء جوازات السفر بحوزة الخادمة. ولا ينبغي أن يُوقَّع عقد حرر باللغة العربية (وفقاً للمعايير أعلاه) من قبل مستخدِمة لا تقرأ هذه اللغة، إلا إذا أفاداها مترجم محلف، بوجود كاتب عدل أو مسؤول رسمي مختص، بالشروط التي ينص عليها العقد. وينبغي أن يُرفق العقد بتصريح يحمل توقيع الخادمة والمترجم، يفيد بأن الخادمة فهمت شروط العقد بلغتها.
وردت في قانون الموجبات والعقود اللبناني بنود قد تأتي ببعض الفائدة. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 233 من قانون الموجبات والعقود على إبطال العقد إذا ثبت أنه لا يعكس "الإرادة الحقيقية" لأي من الفريقين، كالحالات التي يوقع فيها الشخص على عقد في لغة لا يجيد قراءتها. لكن عموماً، لا يمكن الاعتماد على هذه القوانين للطعن في مثل هذه الأشكال من التجاوزات والاستغلال.
5-5 مكتب لشؤون المهاجرين
أشار Young إلى أن غياب هيئة لصنع السياسات وجمع المعلومات المتعلقة بالخدم في لبنان أدى إلى معالجة المواضيع بشكل عشوائي، عن طريق "مختلف الوزارات والهيئات، لا سيما وزارة العمل والأمن العام التابع لوزارة الداخلية" (Young, 2000 : 83).
التوصية
أن تنشئ وزارة العمل مكتباً لشؤون المهاجرين، مَهَمّته وضع وتنسيق السياسات الخاصة بالعمال المهاجرين والاتصال بالسفارات والمنظمات غير الحكومية والوكالات والمستخدِمين الأفراد. ويبقى هذا المكتب الاستشاري مكتباً خارجياً تابعاً للحكومة بموجب نوع من "التعاقد من الباطن". ومن شأن هكذا تدبير أن يشجع الحكومة على اعتماد نهج يحتكم "بأصول التجارة العادية"، يسعى إلى حماية مصالح المهاجرين لجهة شروط العمل والرفاه وحقوق الإنسان، بدلاً من التركيز على النظرة القانونية والإدارية لهيئات تطبيق القانون.
5-6 سياسات الممارسات الفضلى
أختُتم الفصل الثاني بالجملة التالية: "رغم غياب التجاوزات الخطرة في لبنان، إجمالاً، بات تقييد الحرية وحجز جواز السفر والتذليل أموراً "طبيعية" بالنسبة لأصحاب العمل اللبنانيين". بالتالي، اقتُرحت هذه التوصية بمثابة سياسة ترمي إلى إثارة الوعي أو تبديل السلوك الرائج.
التوصية
يتعيّن على جميع المؤسسات، الاجتماعية والحكومية والخاصة في لبنان، تطبيق تدابير "الممارسات الفضلى" وإخطار موظفيها بالموجبات المعنوية والقانونية المتعلقة بتوظيف ومعاملة الخدم الأجانب. وخير مثال على ذلك الجامعة الأميركية في بيروت. ففي آب/أغسطس 1999، تناقلت الصحف حالة خطرة تعرضت لها خادمة سريلانكية على يد موظف في الجامعة (راجع Haddad, 1999). وبحلول شباط/فبراير 2000، كانت الجامعة قد اعتمدت نظاماً داخلياً بخصوص العمالة المنزلية المستخدمة، يفرض على الموظفين تسجيل الخادمة لدى الجامعة، وإيداع نسخ عن كافة الأوراق ذات الصلة، ويقضي بأن تبقى جميع الأوراق الثبوتية بحوزة الخادمة وبأن يحرص الموظفون على دفع أجور الخادمة في أوانه (أقله مرة في الشهر) ومعاملتها بكرامة واحترام لحقوقها. بموجب هذا النظام، إن أي إصابة متعمدة أو اعتداء أو معاملة سيئة أو إهمال غير مسؤول أو تهديدات أو اعتداء جنسي أو عنف جسدي أو أي مضايقة، تؤدي، فضلاً عن التدابير التأديبية، إلى ملاحقة قضائية من قبل الجامعة الأميركية باسم الخادمة، ضد المستخدِم أو عضو الأسرة المسؤول. وتشمل التدابير التأديبية التوبيخ الشفهي والتحذير الخطي وإلغاء تخصيصات الإسكان والإقالة. ينبغي مراجعة الاعتبار لمهنة الخادمة بغية التمكن من تغيير السلوك والنهج الرائج لدى العديد من المستخدِمين، وهي عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً كونها تستهدف تغييرات مسلكيّة.
ملحق:
دراسة بعض الحالات
أجريت جميع المقابلات في شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2000.
الحالة الأولى - فريدا
أتت فريدا إلى لبنان عن طريق أحد الوكلاء في الفيليبين تعمل ابنته وكيلة استخدام في لبنان. وحضرت ندوة لمدة أربعة أيام قبل مغادرتها الفيليبين، تعلّم المهاجرات "احترام الشعب اللبناني، فضلاً عن الإجابة على الهاتف والطهو وتقديم الطعام". وإن طرأت أي مشاكل، قيل لها الاتصال بالوكالة في لبنان بدلاً من الفرار من منزل المستخدِم. وبعد مضي شهر واحد في منزل المستخدِم الأول، طلبت العودة إلى الوكالة بسبب كثرة العمل، فغضب الوكيل منها لكنه دبّر لها عملاً آخر.
وكان المستخدِم الثاني أخصائياً في طب العين (36) له زوجة (27) وطفل واحد. ولم يُبرم أي عقد مع المستخدم الجديد. عندما وصلت فريدا إلى الشقة الجديدة، "كانت "المدام" حاملاً، فسافرت إلى الولايات المتحدة لتلد. وانتقلت فريدا مع الزوج إلى منزل والديه لمدة خمسة أشهر، طيلة غياب السيدة، حيث لقيت معاملة حسنة للغاية. ولدى عودة الزوجة من الولايات المتحدة، كلّفت فريدا الاعتناء بالطفل؛ وبسبب كثافة العمل وضرورة الاعتناء بالطفل، كانت تعمل من الخامسة لغاية الثانية صباحاً، وإن لم تستيقظ في الخامسة صباحاً، كانت تصرخ السيدة في وجهها.
ولم تحصل على ما يكفي من الطعام، بل كانت تكتفي ببيضة واحدة وثلاث ملاعق من الأرز والقليل من السلطة مرة واحدة في اليوم، عند وقت الغذاء. وعُلق منبّه على البراد يملأ المنزل برنينه كلما فُتح باب البراد. فسيدة المنزل هي التي تخرج الطعام للخادمة بنفسها. كانت فريدا تنام على فراش على الأرض في غرفة الغسيل، مع الغسالة والنشافة. وكان لها حمام صغير تابع لغرفة الغسيل، لا يستعمله أحد سواها. وبعد بضعة أشهر، فقدت فريدا وزناً كبيراً وحيويتها بسبب ساعات العمل الطويلة. في يوم من الأيام، زارت إحدى السيدات المنزل برفقة خادمة فليبينية (روز). ولما أخبرتها فريدا بمعاناتها، أجابتها قائلة: "أنت تعيشين عيشة الكلاب. لماذا لا تلوذين بالفرار؟" ولما طلبت العودة إلى الوكالة أجابت السيدة على حدّ قول فريدا: "كلا، أنا اشتريتك من الوكالة. لذا ستبقين في منزلي". وفي غضون 9 أشهر، لم تتلق أي أجر. لم تكن تملك إلا 5 دولارات، صرفها لها الوكيل لدى وصولها إلى لبنان. ووعد السيد بتحويل أجر ثلاثة أشهر لزوجها في الفيليبين، ولكنه لم يحوّلها قط.
بما أن الشقة كانت في الطابق الأرضي، علقت الأقفال على النوافذ أيضاً، وقطع الهاتف. وفي أحد الأيام، ذهب السيد للعمل في المستشفى بعد أن طلب من فريدا ترك الطفلة مع والدتها، حتى تتمكن من العمل في المنزل. وهذا ما فعلته بهدوء، فيما كنت السيدة نائمة. وذهبت لترى إن كان بالإمكان فتح نافذة للتهوية، فوجدت إحدى النوافذ غير مقفلة. وفكرت في نفسها: "إذا بقيت هنا، سوف أموت".
[لغاية هذا الوقت، وبعد مرور سنة تقريباً على وجودها في لبنان، لم تكن قد رأت أختها التي تعمل في لبنان، رغم أنها تحدثت إليها مرة واحدة عبر الهاتف، يوم كانت السيدة خارج المنزل وأذن لها السيد بتلقي المكالمة. وتمكنت من إرسال مكتوب واحد لأوليائها في الفيليبين حددت عنوانها فيه. ولكنها لم تكشف عن ظروف معيشتها، واكتشفت لاحقاً أن عائلتها كانت تراسلها كل شهر، لكنها لم تتلقّ إلا رسالة واحدة].
فالتقطت حقيبة صغيرة والخمسة دولارات وكيس نفايات. تسلقت النافذة وصولاً إلى الحديقة المسوّرة بسياج عالٍ. حاولت تسلقه لكنه كان مرتفعاً للغاية. رأتها سيدة في الطابق السادس وسألتها عمّ تفعل ثم دلّت خادمة الطابق السادس برميلاً استعملته للفرار. ثم بلغت الطريق العام وهي تبكي. اقترب منها رجل عجوز فسألته عن الطريق إلى بكفيا (حيث تقيم روز، الخادمة الفليبينية الأخرى) حيث أقلها بنفسه. وبعد أسبوع، وجدت لها روز بعض الأعمال المنزلية الحرة، واستقبلتها في منزلها. عملت هناك لمدة شهرين ونصف؛ كانت تتقاضى 250$. في الشهر لقاء 6 أيام في الأسبوع، من التاسعة صباحاً لغاية السادسة مساء، ما عدا أيام الآحاد.
وفي يوم من الأيام، رأتها سيدتها وعرفتها. وبعد بضعة أيام، أتت الشرطة إلى منزل روز برفقة طبيب العيون، ونقلتها إلى سجن بكفيا. وأتى الطبيب إلى السجن قائلاً "أريد استرجاع المال الذي دفعته للوكالة"، فأجابته فريدا "اطلبه من الوكالة وليس مني". فردّ بالقول "إذا أرجعت لي مالي، تخرجين من السجن". فاتصلت فريدا بأختها ماري وسيدتها (آنذاك). وفي اليوم التالي، توجهت ماري والطبيب إلى السجن حيث وُقع مستند يعد الطبيب بمبلغ 2500$ لقاء أوراق التنازل. كان هذا في آب/أغسطس 1997.
وبعد مضي ثلاثة أسابيع، انتقلت فريدا إلى منزل مستخدمِها الجديد، حيث تُعامل معاملة حسنة. وتقول فريدا إذا غادر أصحاب عملها لبنان، سوف تغادر لبنان هي أيضاً (هما زوجان أجنبيان لديهما ولد في الثانية عشرة من العمر، يوظفان خادمة فليبينية أخرى غيرها).
الحالة الثانية - مالي
نشرت هذه الحالة في الصحف المحلية. أجريت المقابلة مع مالي في سفارة سريلانكا في الجمهور. كانت تجربتها في لبنان مؤلمة للغاية، إذ تعرضت لشتى أنواع العنف - احتجاز الأجر وتقييد الحركة والمضايقة الجنسية والضرب. وأثناء المقابلة، تبين أنها لم تتخط هذه بالصدمة، إذ أعربت عن رغبتها في العودة إلى ديارها في أسرع وقت ممكن. غادرت لبنان في اليوم التالي.
عندما بلغت عمر 18، هجرت مالي الدراسة وراحت تعمل في مصنع للألبسة (خياطة) لقاء 50$ في الشهر. وأتت إلى لبنان برفقة صديقة لها من أجل "تأمين لقمة والديَّ اللذين لم يرغبا في أن أرحل". ونصحتها الوكالة في سريلانكا بالذهاب إلى لبنان، فاضطرت مالي إلى إيداع مقتنياتها الذهبية في المصرف لقاء بعض المال، لتدفع 70$ للوكالة في سريلانكا. وحضرت دورة في سريلانكا لمدة أسبوعين تعلّم الراغبات في الهجرة كيفية استعمال الأدوات الكهربائية والطهي الخ...
عملت مالي طيلة سنة وثمانية أشهر في لبنان، لقاء 100$ في الشهر. لكنها لم تتلق، عن كامل إقامتها في لبنان، إلا 500$ بدلاً من 1800$ طيلة الأشهر الـ14 الأولى، عملت في بيروت لكنها لم تتلق إلا 300$؛ ثم ذهبت إلى سوريا حيث قبضت 200$ عن سبعة أشهر، حوّلت 300$ منها لحساب أمها في سريلانكا و200$ لحسابها الخاص.
لدى وصولها إلى لبنان، أُرسلت إلى فَرَيّا للعمل لدى عائلة مسيحية، السيد ط (40) وزوجته المريضة وابنتهما البالغة 12 سنة. عملت لديهم لمدة 7 أشهر. كان السيد ط موظف في أحد المصارف. لم تكن تستطيع الخروج من الشقة، أما الطعام، فلم يكن كافيا ولا لذيذاً، ولم يكن لها أي وصول إليه بل كانوا يعطونها إياه. وكانت تعمل 12 ساعة في اليوم، من السابعة صباحاً لغاية السابعة مساء. وبما أن السيدة كانت مريضة، كانت مالي مسؤولة عن كل شيء - التنظيف والطبخ والاعتناء بالابنة، الخ...
[أثناء هذه المقابلة، شعرت مالي مراراً بآلام حادة، وعندما كنا نسألها إيقاف المقابلة، كانت تصر على مواصلتها].
وكان السيد ط يضايقها جنسياً باستمرار. "هو رجل سيئ". وعندما كانت ترفض تحرشاته، كان يضربها ويحرمها من الطعام. "طلبت منه التوقف، فأنا فتاة، وهو مثل والدي. لكنه لم يتوقف. قلت له إنني أود الاتصال بالوكالة، ولكنه لم يعطني هاتفه الخلوي. ثم اتصلت من منزل والدته في بيروت. لم أعد أرغب في العمل. أخبرت السيدة بما كان يحصل. مدام مريضة. لكنها طيبة للغاية."
أُرجعت مالي إلى الوكالة وهي لم تتلق إلا 300$ عن طيلة عملها لسبعة أشهر. هناك، ضربها صاحب الوكالة، صفعها وانهال على قدميها الحافيين بعصا معدني. وصفته كونه "رجل وسيم وغني في الثلاثين من العمر، له زوجة جميلة وطفلان". وبعد أن بقيت يومين في المكتب، وُظفت لدى عائلة طيبة، لكن سعادتها لم تدم طويلاً، إذ طلب صاحب الوكالة المزيد من المال من المستخدِم الجديد الذي سارع إلى إرجاعها.
ثم قيل لها إنها ستعمل في سوريا، وعندما اعترضت، انهال عليها ضرباً مرة أخرى وأرغمها على الرحيل. وعند انقضاء الستة أشهر في سوريا، لم تكن قد تلقّت أجرها بعد. أخيراً، قررت المطالبة بمالها. وإذ رفضت العمل، أُوسعت ضرباً ففرت من منزل مستخدمها ووجدت طريقها إلى الشرطة، حيث اكتشفت أنها لا تتلقى أجرها لأن الوكيل في لبنان هو الذي يستلم مالها. ثم اتصلت الشرطة بالوكالة في بيروت وطُلب من الوكيل استلامها عند الحدود. هذه المرة، كان غاضباً للغاية، فأعادها إلى المكتب وأوسعها ضرباً بعصا حديدي ومشى على جسدها عدة مرات وهو يشد بشعرها الطويل. "لم أعد أستطع التنفس". ولسوء حظها، قص شعرها، ثم قيّدها لمدة 6 أيام. حاولت سيدة في الوكالة إطعامها، لكنها كانت عاجزة عن الأكل. وفي اليوم السابع، فُكَّت يداها فتمكنت من الفرار: ربطت سارِيَين وفرت من نافذة المكتب في الطابق الثالث.
أقلّتها سيارة أجرة إلى سفارة سريلانكا حيث أدخلها المسؤولون المستشفى على الفور. وتقدم السفير السريلنكي شخصياً بشكوى من وزارة العمل التي أقدمت على تعليق أعمال الوكالة لمدة 3 أشهر. ودافع صاحب الوكالة عن نفسه مدعياً بأن مستخدمها في سوريا هو الذي ضربها وتركها على الحدود حيث استلمها هو، وفرت منه بعد ذلك. وبتدخل من السفير ومسؤولين من وزارة العمل، طُلب من الوكالة دفع 1500$ لها (بالكاد الأجور المستحقة) وتذكرة العودة. وقُدِّمت شكوى بالعطل والضرر بقيمة 5000$، ولكن، لغاية المقابلة، لم يدفع أي مليم منها.
تعرضت مالي للإساءة كل مرة حاولت فيها الاعتراض أو المطالبة بحقوقها. "في لبنان أناس طيبون وأناس أشرار". أراد صاحب العمل مالاً، ولأنني لم أملك المال، ضربني لساعة ونصف وقص شعري. أنا عاجزة عن الأكل. معدتي تؤلمني. عندما أمشي، تؤلمني قدماي. لا تحزنوا. شكراً جزيلاً".
ملاحظة
استأنفت الوكالة أعمالها. تلطيفاً لسمعته السيئة، خفض المالك أسعاره بمائة د.أ. عن سائر الوكالات، ولم يتضح بعد إن حصل تغيير فعلي في المسلك. ولكن، لدى الرد على صاحب عمل محتمل كان يتساءل عما قد يحصل إن واجه مشاكل مع خادمته، أجاب الوكيل: "أنت ردّها، ونحن نعلم كيف نؤدبها، لا عليك."
مؤخراً، استقدم ذات الوكيل خادمتين من سريلانكا للعمل في سوريا لمدة سنتين. وبانقضاء العقد، كانت كل منهما قد ادخرت 3.000$ ولكن في اليوم الذي سبق عودتهما، أقلهما الوكيل إلى مكان لقضاء الليل حيث صوّب مسدساً إلى رأسيهما وأرغمهما على تسليمه 3.000 دولار وتذكرة السفر وغيرها من المقتنيات. ولا تزال هذه القضية قيد النظر. اقترح محامي الوكيل التسوية التالية: تزويد كل فتاة بتذكرة سفر و500 $، لكن سفير سريلانكا رفض هذا العرض (تشرين الأول/أكتوبر 2001).
الحالة الثالثة - بِيّا
هجرت بيّا المدرسة والتحقت بمدرسة "سينجر" لتعلم الخياطة، لكنها لم تجد عملاً. فأتت إلى لبنان ودفعت 700$ للاستحصال على جميع الوثائق اللازمة. وسوّى مستخدِمها أوراقها كما أرسل لها تذكرة السفر.
وضع بيّا جيد نسبياً: فهي تعمل من السابعة صباحاً لغاية الثامنة مساء، مع استراحة بعد الظهر. تشاهد التلفزيون ليلاً، وتطهو لنفسها أطباقاً حبشية أو تأكل طعاماً لبنانياً إن رغبت بذلك. يُؤمَّن لها الدواء عند الحاجة؛ تزور أختها كل 3 أو 4 أشهر. تنام بيّا على سرير يطوي في غرفة فيها سريران. ورغم أنها تأخذ قسط راحة كل يوم، لا يُسمح لها بالخروج من المنزل إلا للتبضّع. وعندما تكون لوحدها، يُقفل عليها باب المنزل. كل يوم أحد، تُمنح ساعة واحدة لحضور القداس، وتؤخذ إلى منزل شقيق السيدة الذي تنظفه بلا مقابل. تجربتها في لبنان إيجابية، لكنها تقول: "يموت العديد من الأثيوبيات هنا".
الحالة الرابعة - تاس
اضطرت تاس إلى دفع 800$ لوكالة الاستخدام في الفيليبين، اقتُطعت من أجر 4 أشهر في لبنان. كان في منزل مستخدميها خادمة فليبينية أخرى سهلت عليها الأمور، فلدى الانتهاء من العمل حوالي الساعة الثالثة من بعد الظهر، كانت الخادمتان تستريحان لغاية السابعة حتى يحين وقت العشاء والتنظيف (ليس قبل العاشرة مساءاً). بالنسبة للطعام، تقول تاس إن الكمية غير كافية، رغم أن الطعام وفير في المنزل. ففي الصباح، لا تسمح لهما السيدة إلا بقليل من القهوة. وعند الظهر، تنتظران أن ينتهي أصحاب البيت من الأكل. وعند العشاء، يكتفيان بالعرايس. كانت تاس تزن 62 كلغ عندما وصلت إلى لبنان. وبنهاية العقد، باتت تزن 47 كلغ.
طيلة 3 سنوات في خدمة هذه الأسرة، جنت تاس 7200$ استثمرت 4000$ منها لبناء منزل (انتقل زوجها وابنها وحماتها إليه في السنة الماضية)، ودفعت 800 د.أ. للوكالة في مانيلا وأرسلت الباقي (2400$) إلى زوجها ووالدتها لتغطية مصاريف العائلة. وبعد انفصالها عن زوجها ووفاة والدتها، باتت ترسل 100$ لابن عمها كل أربعة أشهر للاعتناء بابنها.
وعند انقضاء أول عقد مدته 3 سنوات، كانت تاس سعيدة بالعودة إلى مانيلا، ولم ترغب الرجوع إلى لبنان. ولكن بسب المشاكل الزوجية في الفيليبين، قررت العودة إلى لبنان تحت اسم مستخدمها السابق، وعملت في منزل كانت تتقاضى فيه 400$ في الشهر. لكنها لم تتمكن من الانتقال إلى اسم صاحب العمل الجديد لأن التنازل كان ممنوعاً. وعرّفتها الأخت أميليا إلى أصحاب العمل الأجانب الذين تعمل لديهم الآن. في ذلك الوقت، سمحت الحكومة اللبنانية التنازل عن الأوراق طيلة فترة العفو (أيلول/سبتمبر - كانون الأول/ديسمبر 2000). ولاحظت تاس فرقاً واضحاً بين الغربيين واللبنانيين: "الأجانب أقل صرامة، فأنا أتمتع بحريتي. أترك المنزل مساء السبت وأعود مساء الأحد". هي تتقاضى 300$ في الشهر تدخرها لنفسها.
الحالة الخامسة - توندي
هجرت توندي المدرسة لتعمل في لبنان، عندما لم يعد والدها قادراً على تعليمها. وصلت إلى لبنان في كانون الأول/ديسمبر 1997، وكانت عائدة إلى غانا في نهاية ذاك الشهر كانون الأول/ديسمبر 2000). هي لا تريد تجديد عقدها.
تستيقظ توندي في الساعة السادسة صباحاً للاعتناء بالأطفال، وتخلد للنوم في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة مساء. وتستريح بين الساعة الثانية والسابعة من بعد الظهر. لدى الذهاب إلى الدكان، تتحادث مع سائر الخادمات، وكل يوم سبت، تذهب مع مستخدميها إلى منزل والدي السيدة لتناول الطعام، حيث تتولى غسل الصحون. تأكل توندي من بقايا الطعام، لكن الكمية كافية. وعندما لا يكون مستخدموها في المنزل، تطهو أطباقاً غانية. دُفعت جميع أجورها بموجب شيكات باسم والدها بالبريد. وقررت أن تحتفظ بآخر 500$ لنفسها.
الحالة السادسة - ماليكا
تركت ماليكا أولادها مع زوجها في سريلانكا منذ سنة ونصف السنة وهجرت إلى لبنان. زوجها، 32 سنة، عاطل عن العمل، ولم يستطع المجيء إلى لبنان "لأن الوكالة تطلب الكثير من المال من الرجال". تقول إنها سعيدة مع زوجها. تركت المدرسة في سن 10 وتزوجت في سن 17. لم تعمل قط لقاء أجر في سريلانكا، فقررت هجر البلاد بحثاً عن عمل، لأنها وسيلة البقاء الوحيدة، فاقترضت 132$ من أحد الأصدقاء دفعتها للوكالة.
لدى وصولها إلى مطار بيروت، نُقلت إلى الوكالة التي وظفتها في إحدى الأسر لمدة شهرين، وفي أسرة أخرى لشهرين آخرين، وهكذا دواليه لمدة 16 شهراً. وطيلة هذه الفترة، لم تدفع لها الوكالة إلا 450$، تقول ماليكا إن أصحاب العمل كانوا يدفعون أجرها للوكالة مباشرة، لكن الوكالة تحتفظ بالمال.
عاملتها الأسرة الأخيرة التي عملت لديها بلياقة ودفعوا لها مؤخراً ما يكفي لشراء بطاقة العودة. تتكون الأسرة من زوجين مسلمين وولدين (كبار). تقول إن وتيرة العمل لا بأس بها، فهي تستيقظ في الساعة 5:30 صباحاً وتنام عند الساعة 11 ليلاً. تنام في غرفة الأولاد، ولا يحق لها بيوم عطلة. كما لا يُسمح لها بالخروج أو استعمال الهاتف. ويُقفل عليها الباب عندما تكون بمفردها في المنزل، علماً أنها لا تحمل مفتاحاً. تخرج لشراء بعض الحاجيات من دكان قريب، ولا يحق لها باستقبال الزوار أو زيارة أحد، أو حتى محادثة سائر الخادمات عبر الشرفة. تقضي وقت راحتها وهي تكوي وتشاهد التلفزيون، ولا تذهب قط في نزهة مع الأسرة. الطعام مرضِ رغم أنها لا تستطيع إعداد أطباق سريلنكية. وهي لا تتصل بأسرتها لأن الاتصالات ممنوعة، وأسرتها لا تتصل بها لأنها كانت تبدّل عنوانها باستمرار. ولا ترسل المكاتيب لأنها لا تجيد الكتابة.
كان صاحب وكالة الاستخدام يسيء إليها ويعنفها، فكان يصفعها ويدفعها. قبل أسبوعين من المقابلة، فرت ماليكا من الوكالة ولجأت إلى السفارة، فتدخّل السفير وأقنع الوكيل بتسليم ملابسها وجواز سفرها. كانت مغادِرة إلى سريلانكا في اليوم التالي.
بالنسبة لماليكا، كانت تجربتها في لبنان فاشلة، فهي لم تسدد بعد دينها الأول الذي أبرمته للمجيء إلى لبنان. وبعد سنة ونصف تقريباً، لم تكسب شيئاً، والقليل من المال الذي قبضته بالكاد أمّن لها تذكرة العودة. تركت زوجها وثلاثة أولاد لتؤمن لهم حياة أفضل، لكنها فشلت، وبالنسبة لها، تحطمت آمالها بحياة أفضل.
الحالة السابعة - ماريا
تقول ماريا إنها أتت إلى لبنان من أجل المال. "لدي وظيفة في الفيليبين، لكن الراتب لا يكفيني. كنت أعمل في مصنع لقاء 75$ في الشهر". وفرضت عليها وكالة الفيليبين 500$ اقتطعتها من راتبها في لبنان. قلّها الوكيل اللبناني من المطار، وبقيت في الوكالة لمدة يومين قبل أن تُوظف في إحدى الأسر التي عاملتها معاملة جيدة. عقدها مدته 3 سنوات، وبعد انقضاء هذه الفترة، تنوي العودة إلى الفيليبين لمتابعة دروسها. يحتاج والداها إلى المال لكفاية 3 أولاد. في وقت راحتها، تستحم وتشاهد التلفزيون مع الطفل. أظن أن الشعب اللبناني عنصري".
الحالة الثامنة - بيركي
أتت بيركي إلى لبنان لجني المال وبناء منزل لها في سريلانكا. هجرها زوجها في السنوات الست التي قضتها في لبنان. "ربما مَكثتُ هنا لمدة طويلة".
كُفلت بيركي مباشرة من لبنان، فلم تستعن بوكالة استخدام في سريلانكا. في السنة الأولى، أقامت مع أسرة مسيحية في الجبل. كانت لها غرفتها وحمامها الخاص. جميعهم كانوا لطفاء، باستثناء السيدة: كانت تنتقد عملها باستمرار. كانت بيركي تعمل كثيراً، من الساعة الخامسة والنصف صباحاً لغاية الواحدة صباحاً. كانت معزولة تماماً، لا يُسمح لها بإعداد أطباق سريلنكية، فكانت تنتظر كرم السيدة لتمنّن عليها ببعض الطعام الذي لم يكن كافياً يوماً. يداها تؤلماها لأنها لا ترتدي قفازات، وبشرتها تآكلتها مساحيق التنظيف، ومع ذلك، لا يسمح لها بمعاينة طبيب.
وبعد مضي سنة، فرت من المنزل، والتقت بخادمة سريلنكية عملها حر، أخذت بيركي إلى غرفة بالإيجار ووجدت لها مستخدمين جدد. عملت لدى تلك الأسرة طيلة سنتين ونصف السنة. ولكن العائلة لم تكن ثرية، ولم تتلق إلا 1500$. عن كامل هذه الفترة، لذا قررت هجرها. لكنها لم تكنّ لهم أي غضب، لأنهم كانوا "لطفاء جدا": وعاملوها معاملة حسنة.
في الوقت الحاضر، تعمل بيركي لحسابها الخاص: تنظف في مستشفى من الساعة السادسة صباحاً لغاية الرابعة بعد الظهر كل يوم، لقاء 225$. في الشهر. تستأجر غرفة مع صديقة لها، وتتصل بوالدتها مرة في الشهر. أما عائلتها فتراسلها بالبريد لأن الاتصالات الدولية باهظة الثمن بالنسبة لهم.
لا تملك بيركي جواز سفرها، كما لا تملك إقامة وإجازة عمل. فحسب صديقة سريلنكية، أعطت جواز سفرها و800$. لأحد الأشخاص الذي وعدها بتسوية أوراقها بواسطة "كفيل"، لكنه كان دجالاً. لا تعلم الآن كيف ستغادر البلاد من دون أن تتكبد مشقّة الحصول على جواز جديد أو جواز مرور من السفارة. تقول إنها تود البقاء لمدة سنة أو سنتين بعد.
* ان الآراء المعبر عنها في هذه الدراسة هي مسؤولية المؤلف ولا تمثل مصادقة منظمة العمل الدولية.
1 تستند دراسة شروط العمل في هذا القسم على المواد التي توفرت لدى دراسة ثماني حالات وردت في الملحق 2، كما يشار إلى دراسة موسعة تناولت الرعايا السريلنكين.
2 20 امرأة يعانين من أمراض عقلية، 36 يعانين من أمراض جسدية، 2 معتقلتان في السجن، وشابة حامل.
3 معلومات جمعتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في أثيوبيا، قسم الاستخدام العام.
4 Ethiopian Female Migrant Workers under Exploitative Working Conditions in the Gulf States, p. 22
5 Ethiopian Female Migrant Workers under Exploitative Working Conditions in the Gulf States, p. 24