خيارات نحو تنمية بديلة ونموّ تشاركي وتضميني: مقاربة عمالية

إن استشراف نموذج تنمية بديل في المنطقة العربية، التنمية الشاملة والمتكاملة ببعدها التحرري من القمع والعوز والجهل والمرض؛ يستدعي الإجابة عن جملة من التساؤلات المحورية: أي تنمية بديلة تسعى القوى العمالية لطرحها؟ ماهي السياسات الاجتماعية التي ستشكل الركائز الاساسية لهذا النموذج؟ وفي هذا السياق ما هو موقع منظومة الحقوق الدولية من قوانين العمل والحماية الاجتماعية المحليّة؟ أي علاقة للحريات العامة والفردية والحريات النقابية وحق التنظيم بالتنمية الاقتصادية والسياسية؟ أي دور للدولة؟ ماهي قطاعات الإنتاج المحفزّة للتنمية التضمينية؟ كيف السبيل الى سياسة تصنيع تضمن تحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل اللائق؟ وفي الختام، كيف يمكن للإصلاحات الدستورية أن تستجيب للحراك التغييري في المنطقة العربية؟

يحاول هذا التقرير تقديم مقاربة عمالية لنموذج التنمية البديلة من خلال بحوث حول المحاور الأساسية التي تمسّ بالعمال ورفاههم وتشكل مجتمعة الهوية العمالية لنموذج التنمية الذي نسعى اليه. ولقد تعمّدنا صياغة هذا التقرير و إصداره في هذا الظرف الدقيق الذي تمرّ به المنطقة العربية والذي برزت فيه جملة من الحقائق أجمع عليها الخبراء والمحللون على تعدّد انتماءاتهم الفكرية، ومن أهم تلك الحقائق:

* فشل اصلاحات اقتصاد السوق في توفير فرص العمل وضمان الحد الأدنى من مكونات العمل اللائق واحترام الحقوق والحريات النقابية طبقًا لمعايير العمل الدولية، بل على العكس من ذلك فقد أدّت تلك الاصلاحات الى تراجعات ملحوظة في مجال الاستخدام واقتصرت الوظائف المستحدثة على العمل
غير النظامي وانتشار الأشكال اللانمطية للعمل وتقلص هامش الحوار بين أطراف الانتاج.
* تراجعات في مجال الحماية الاجتماعية وحرمان فئات بأكملها من حقوقها الاجتماعية الأساسية، حيث أصبحت النظرة الى الحماية الاجتماعية على اعتبارها كلفة ان توفّرت تعطّل مسار النمو القائم على التنافسية، أو هبة. وليست استحقاقاً ان أعطيت؛ الأمر الذي أدى الى شعور الشرائح الاجتماعية المحرومة، بالإقصاء والتهميش والى انخراطها في الاحتجاجات التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية.
* استمرار مظاهر التوتر السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدول العربية، وعجز أغلب البلدان التي شهدت الانتفاضات الشعبية حتى الآن، عن الاهتداء الى السبل الكفيلة بإنجاح المسار الديموقراطي في ظلّ ارتفاع واضح لنسب البطالة، والتضخم المتواصل وتزايد حجم المديونية. وذلك بالإضافة الى الظاهرة الخطيرة التي أصبحت تهدد المجتمعات العربية المعنية والمتمثلة في العنف والارهاب بأنواعه.
* الحاجة الأكيدة والملحة في المنطقة الى صياغة نموذج تنموي بديل يقطع مع الخيارات الفاشلة القائمة على تهميش الجانب الاجتماعي في التنمية وعلى رفض الآخر وضرب كافة قنوات الحوار. نموذج جديد يعتمد اصلاحات جوهرية اقتصادية واجتماعية وسياسية توفّر مناخاً ملائماً لحوار تُحترم فيه المؤسسات والحقوق والحريات وحق التنظيم، يبنى على المشاركة الفعلية ويعمل على استحداث فرص العمل اللائق في ظلّ دور جديد للدولة من أجل ضمان العدل الاجتماعي والحق في الحماية الاجتماعية، بمفهومها الشامل للجميع دون انتقاء أو إقصاء أو تهميش.